إغراء فلسطين بحالها

سوق على الدولة

سوق على الدولة

هكذا عندما تتكلم عن فلسطين لن تنتهي دائماً إلى نص مهذّب، فعملياً الفلسطيني لم يواجه الفوضى، ولم يبحث عن العلل، هو ينجذب للعشوائيات أسرع من التصاق المغناطيس ببرادة الحديد، لذلك فإن إسقاط نظريات علم النفس الاجتماعي على الحالة الفلسطينية، حتماً سيعطي نتائج غير طبيعيّة، أتحدث هنا عن البلادة كميكانزم للدفاع عن الذات وصوابية القرارات والأفعال الفرديّة والجماعيّة، بعد أن غدا جهد الفلسطيني متمركز حول مهمّة واحدة، هي المحافظة على المال السياسي الذي يهون بعده كل شيئ، الكذب، والنفاق، والفهلوة، وأعطني راتبي أطلّق لك حناجري، وإذا هتف الفلسطيني لكل الفصائل في آن واحد، فليس من باب الوحدة الوطنيّة ورصف الأشياء، أكثر منه للحاجة، هو يعتبر ذلك ذكاءاً، وأعتبره خبثاً لولاه ما كتبنا ولا علّقنا.

هذه مقدمة ربما تكون نافعة لأتحدث بعدها عن التكتليّة التي لم تكن هي الأداة الوحيدة الفاعلة في التعبئة لدى حركة فتح وشبيبتها، بل أُعلن عن تشييد المال السياسي كصراط فتحاوي مستقيم، أو نهج أبدي أقرب إلى الغاية منه إلى الوسيلة، فبدا التحوّل كمن يضع العربة أمام الحمار راجياً منه السير.
هذا صحيح، حركة فتح لم تكن فقيرة على الإطلاق، ويمكنك من خلال قراءة أعداد موظفيها وأعمارهم، أن تعرف بأن غناها كان أداة هامة في استمالة طاقات الشباب، وازداد ثراءها بعد اتفاق أوسلو بفضل المال الدولي الجاري في نهر السلطة الوطنية، هذا المال كرّس لدى أنصار فتح مسألة الحق في مكافأة مالية بعد سنوات من مناكفة إسرائيل ودليل ذلك، صورة بالجاليلو مع بوت الفورزا، لا زلت معلقة في صدر الدار، تُذكّر كل زائر للبيت الفتحاوي بالأيام الخوالي، صورة نمطيّة مستمرّة إلى يومنا هذا، جرّب وتحدث مع فتحاوي، سيُخيل إليك ثائراً شقياً، كبانشو فيلا كامناً لآلاف الجنود في الأحراش.

تسأل مناصراً لحركة فتح حول المسألة الفلسطينية، خلاصة حديثه: “فتح أول كل شيئ، الرصاصة والحجر والباقي، لذلك واجبنا أن نرتاح، ونحمي شعبنا، ونوفر له الأمن”، جملة “شاركنا في الكفاح المسلح” غالباً ما يتبعها جملة شرطية استنتاجية هي “من حقنا الحصول على مكافأة”، رغم أن ابن العشرين الذي يطالب بحقه باسم مشاركته في “الكفاح المسلح”، كان في مهده عندما اندلعت الانتفاضة الأولى عام 1987، بعضهم لم يكن مولوداً أصلاً، والذي شهد اندلاع الإنتفاضة الثانية عام 2000، كان على شفا مراهقته في صفوف الشرطة، فلا تعرف أي كفاح مسلح المقصود.

وزد على ذلك، أن أنصار الأحزاب الفلسطينية مُدرجون في قوائم كاملة، يتم ضبط مسائلهم “بالمساعدات”، فأن يقدم الحزب كابونة زيت وفاصولياء، غير أن يقدم وظيفة براتب شهري، وهذا ما يجعل الأحزاب توّاقة دائماً لقياس نسبة الإستمالة لدى الناس، بعد كل توزيعة مساعدات، يسميها الفلسطينيون “كابونة”، متعلقون بها إلى حد بعيد، بهذه الطريقة يتحكّم الحزب في حجم ونوعية “الكابونات” التي يتم ضخها في المخيمات، المثال الأقرب حول طبيعة المنافسة بين الأحزاب الفلسطينية لتأطير الناس واستقطابهم، كان في مرحلة السبعينات التي شهدت نشاطاً يسارياً على المستوى الثقافي والإجتماعي وحتى العسكري، هذا الصعود سبّب غيرة لدى منتسبي حركة فتح، على إثر ذلك تأسست لجان الشبيبة للعمل الإجتماعي، المعروفة حالياً باسم “الشبيبة الفتحاوية” هذه حاولت تعويض تخلّف فتح في مواجهة اليسار الفلسطيني، فاشتغلت على تقديم المساعدات والنشاطات الجماعيّة، بدل أن تهتم بالتدريس الأيديولوجي، لتناطح رأس اليسار المكتنزة بأشياء كثيرة، ولكنها رغم ما سبق، تغلغلت بسرعة وسط الجماهير، وتنوعت المساعدات حتى صار لفتح سلطة وطنية، وأصبح لا شيئ يضاهي إدراج اسم مواطن في كشف دورة عسكرية، أو تدبير تفريغ أمني له على أحد الوزارات، مساعدة كهذه كانت بحاجة لصاحب نفوذ في السلطة، وهي بالنسبة للمواطن تأمين لمستقبله، وجيد جداً القول بأن الجبهة الشعبية لم تصبر على دوام فقر أبناءها فكسرت الجرة.
لا تعتقد أيها القارئ ، بل تأكد أن ياسر عرفات وأعوانه ارتاحوا بعد ابتلاعهم تدريجياً أهالي قطاع غزة والضفة الغربية، وهضمهم في أجهزة الأمن، أصاب عرفات الهدف، ونجح في إبعاد جيل كامل عن دائرة الاهتمام بعنوان “التحرّر الوطني والقتال ضد إسرائيل”، تحوّل الجميع إلى شرطة ومخبرين تابعين للسلطة الوطنية، تحت إطار امتداد التبعية للقادة، وضبط كافة المسائل، وخاصة العسكرية منها، وإن كان توزيع الأدوار انتقائي إلى حد بعيد، فمناصب الوافدين ومراكز نفوذهم ليست عاديّة على اعتبار أنهم قادة تحرير وطني واستقلال ذاتي، اقتصادياً، امتلك هؤلاء رؤوس الأموال، وأوراق اللعب في التجارة مع إسرائيل بعد أن تأسست السلطة الوطنية.

في أواخر التسعين، انتقل أبناء حركة فتح إلى مرحلة الصفقات الكبيرة، وتحديداً “بعد قدوم السلطة بأربع سنوات”، حيث أصيب سكان غزة من منتسبي الأجهزة الأمنية بعدوى التجارة، بنظرهم إلى حال الوافدين وأيديهم الطائلة، وبالغيرة مع قليل من العلاقات العامة، أصبح لعدد منهم أنشطة اقتصادية، فكان العسكري صباحاً في مركز الشرطة، يمارس عمله كملازم ثان في المخابرات العسكرية، وفي المساء يدير محلاً للعطور والملابس الحريمي، وبهذه الطريقة، بدأ واستمر عقد الصفقات الكبيرة بين فلسطينيي الداخل والخارج، وحّدهم وجمع شملهم “البزنس” أكثر فأكثر.

في المحصلة، استجاب الكل لإغراء السلطة، وبعد أن كان الفلسطيني دائم النزاع مع أقرانه على القدرات الأمنية، وتبني الأعمال “النضالية” الفردية ضد إسرائيل، صار التشاجر والجدل حول الرتبة العسكرية وأحقيتها، والترقيات والعلاوات الإجتماعية، وقد تصدّرت هذه الإشكاليات المشهد الفلسطيني، كنت ترى شرطياً محتجزاً على خلفية تطاوله على ضابط في وزارة الداخلية، والسبب مناكفة حول استحقاقه رتبة عسكرية أخرى، سيزداد على إثرها الراتب الشهري، ويشار هنا أن دمج الفلسطيني الوافد مع أولاد المخيمات أثار صدامات كثيرة، ففي جو من عدم التفاهم، يتعاير الطرفان، ويريد كل واحد أن يُحترم حسب مكانته السياسية، وحجم عائلته، وماضيه النضالي.

أسلوب الحكم الذي اتبعته حركة فتح أثار سخط الأحزاب الفلسطينية الأخرى، بسبب التوزيع المالي ومراكز النفوذ، ولكن كان يرضي هذه الأحزاب تفريغ قائمة من شبانهم في دورة عسكرية، ويقابل ذلك دعوات أمهاتهم لرئيس السلطة بالانتصار على إسرائيل! أما الذي لم يتخلى من حركة حماس والجهاد الإسلامي عن مناكفة إسرائيل، فسرعان ما لجأ للسلاح، وشن العمليات في الداخل الإسرائيلي، كان ذلك قبل أن تقرر إسرائيل بناء جدار الفصل العنصري، حينما كانت ترد بفرض حصار إقتصادي، فيتوقف العمال عن الذّهاب للعمل داخل ما يعرف بالخط الأخضر، ويبدأ وخز قيادات السلطة لكل من منحته راتب شهري، للوقوف والتصدي لأتباع الحركات الإسلامية، على اعتبار أنهم مسؤولون عن تعطيل العمال تحت شعار “العبثية” الذي يكرره محمود عباس في خطاباته، من هنا بدأت الأفعال النديّة والصراع المجتمعي والحزبي الذي كان يعرف مفاتيحه ويسيطر عليه ياسر عرفات من خلال المال، وبالشعارات الوطنية (مقال سابق عن عرفات)، ولهذا السبب يترحّم عليه كل فلسطيني عند الحديث عن الوحدة الوطنية، دون النظر لتفاصيل وجذور المشكلة ليكتشف الجميع أن عرفات مؤسسها، بغض النظر إن كان أحدكم يفكّر بعرفات كنبي آخر من أنبياء القرن العشرين الجدد.

في الفترة ما بين اندلاع الإنتفاضة الثانية عام 2000، وسيطرة حماس على السلطة بغزة عام 2006، تلاشى الإحساس بالمنطق الوطني لدى أبناء الأجهزة الأمنية، وحَدَثَ على سبيل المثال، أن قام جندي في الأمن الوطني بتناول نصف ملعقة ملح في أحد مواقع الأمن، كي يرتفع ضغطه، ويحصل بعدها على إجازة لأسبوع كامل، أو كما قال لي آخر “أذهب لموقع الأمن كي أشرب إبريق الشاي، وآخر الشهر أكافئ عليه براتب، أليس في البيت شاي أيضاً!”.

النتيجة أن فراغ ميزانيّة السلطة، يسبب حساسيّة عالية لدى جيل الرواتب، وقد يصل الأمر حد تقلب مزاج أحدهم، واعتداءه على زوجته أو أحد أبناءه، إذا ما تأخر راتبه، وحدث أن طلق شاب في أحد محاكم غزة زوجته بسبب تأخر راتبه وتراكم ديونه، بعد أن قرر الزواج بناءً على وظيفته في الشرطة وراتبه الشهري، هذه خلاصة طموح السلطة الفلسطينية وفق مشروع أوسلو، وقبلات ياسر عرفات، المشروع الذي صار لاحقاً “دولة” تعيش أزمة رواتب منذ 6 سنوات.
لهذا السبب فضّل عدد كبير من منتسبي الأجهزة الأمنية، مؤخراً هجرتهم وبقائهم في أوروبا على عودتهم لتقاضي راتبهم الشهري، ورحّبوا بفصلهم من وظائفهم على اعتبار أن الراتب غير مضمون على المدى البعيد.

همّش طابع حركة فتح الإصطفائي شرائح واسعة في المجتمع، فلم يكن عينها على العائلات التي ينام كل أفرادها في غرفة واحدة، تفتقد لأدنى الشروط الصحيّة، ولم تقبل في أجهزتها الأمنية هؤلاء المقيمين في مساكن سقوفها من الصاج والأسبست، فكان الممسك بالسلطة يحابي العلاقات الشخصية، وظل المحروم يربط وضعه الإقتصادي اليتيم بوصفه خاضعاً للإحتلال، في محاولة للترفّع عن حجم ومكانة عائلته في المجتمع.

ظلت رؤية الناس هكذا تنحدر أكثر باتجاه تحويل علاقتهم مع أحزابهم إلى مسألة تجارية، دائماً يُستثنى منها أبناء الطبقات الفقيرة، هؤلاء الذين تم إقصائهم ورفضتهم حركة فتح، رحّبت بهم حماس فور بسط سيطرتها على قطاع غزة، حينما بدأت تؤسس أجهزتها الشرطية، وكانت بحاجة إلى أفراد أمن يتصدّرون المشهد كبديل عن كتائب عز الدين القسام، الذراع المسلح لحركة حماس، فتولّد لدى هذه الشريحة التي همشتها حركة فتح، رغبة بالانتقام، عززها استقوائهم بالجناح المسلح لحماس، لهذا السبب يتضح ولاءهم وطاعتهم لها، وهكذا يتطور الكيان الإجتماعي الفلسطيني، من فتح إلى حماس.

Advertisements

2 تعليقان to “إغراء فلسطين بحالها”

  1. موسى Says:

    العزيز حمزه
    بعد التحيه
    انا بحاجه للاطلاع على مقالك حول ( مصعب حس يوسف ونصف المعقول ) لاني اعد دراسه حول الموضوع ، اكون شاكرا ان ارسلت لي المقال على ايميلي المرفق – مودتي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s