ازدواجية اللغة ونقد ابن نبي

فترة الثورة الجزائرية وعلى الحائط بالفرنسية: بطل واحد، الشعب !

فترة الثورة الجزائرية وعلى الحائط بالفرنسية: بطل واحد، الشعب !

نعم سينتهي احتلال إسرائيل، وتصير اللغة السائدة في فلسطين هي العبرية، أقول لك صباح الخير تقول لي “بوكر توف”. لن نكون أكثر وعياً ونخبوية من الجزائر، عادوا وتشبثوا بالأندلسي النموذجي، وأرجعوا المندولين والكمان وآلة القانون، هذا صحيح، لكن أشياء أخرى بقيت على حالها بعد الإستعمار، اللغة الفرنسية مثلاً بقيت مهيمنة، يتكلم بها نصف السكان رغم نضال “بن باديس” رائد النهضة العلمية والإصلاحية في الجزائر، ولست أتفق مع نضاله آنذاك تحت شعار: “الإسلام ديننا – والعربية لغتنا – والجزائر وطننا – ضد الفرنسة والتنصير – والاندماج والتجنيس”.
فالإسلام ليس طابو مملوكاً للجزائر وابن باديسها، ولا العربية حكراً على المسلمين من العرب، أو كما كذب كثيرون قولاً فخصصوها لغةً لأهل الجنة، فقد تجد واحداً يهوى الغناء العربي الكلاسيكي، وقرر اتقان العربية، كالصديق البرازيلي “فيليب فيريرا”، وآخر مهتم باللغات وتاريخها، لذا فازدواجية اللغة ليست وزراً سيُدخل صاحبه النار، وازدواج اللغة لا يعني الاستيلاء وبالضرورة إسقاط لغة وإعلاء أخرى، وأكثر من ازدواجية اللغة والتجنيس والإنسلاخ، أنا مع اللاجغرافيا، وذلك مستحيل عملياً، ولكني أعتقد القول: فلان من “جغرافيا الجزائر”، لا “وطنه الجزائر”، وليس حدوده شمالاً البحر المتوسط، فليس البحر حدود، هو بحر، طبيعة وجغرافيا، وذلك من منطق الكزموبوليتانية في الجغرافيا البشرية.

قد لا نكون مع الازدواجية من منطلق “من تعلم لغة قومٍ أمن مكرهم”، ولكن من زاوية دراسة وفهم اللغات كعلوم، حيث وراء كل لغة حضارة، وهو ما أكده مالك بن نبي حين اعتبر مثالاً أن دراسة الأزهري علي عبد الرازق في جامعة أكسفورد البريطانية، لم تحرره من الكلاسيكية المزيفة بعد الموحدين، بل تجاوز ذلك إلى التخلص من منهج الأصل الإسلامي، وأشار أن الإنشقاق الذي أدخلته ازدواجية اللغة في العالم الثقافي للبلد الإسلامي، ليس فقط ذات طابع جمالي إنما هو ذو طابع فلسفي وأخلاقي.
مرحباً بازدواجية اللغة، إذا كانت تُحدث انشقاقات “فلسفية” ستخلق نشاطاً إنسانياً إيجابياً، وفضاءً معرفياً، وأما “الأخلاق” فلا أدرِ كيف يمكن أن تسبب لغة أخرى، انشقاقاً أخلاقياً، أنت عندما تتعلم لغة ما، وتجرف معها ثقافة أفرادها، فهذا ليس فيه انشقاق بل لجوء ورغبة في الأشياء، هذا لا يحدث دون الشغف كقوة خفية تبني شخصيات إنسانية تمتلك أدواتها، وقادرة على رفع مستوى الثقافة والعلم.

مثال آخر لابن نبي، يتحدث فيه عن ازدواجية اللغة، يصفها بالديناميت الذي قُذف في المجتمع الجزائري، وأحدث انشقاقاً، فيقول أن ذلك أظهر جماعتان من النخبة، واحدة تتكلم العربية وتحاول استرداد الأصول الإسلامية بزعامة بن باديس، وجماعة تتكلم الفرنسية مثل البربرية والتقدمية والوجودية والماركسية، وتحاول أن تخدم سماتها ونفسها “يقصد أنها لا تخدم الدين الإسلامي كجماعة بن باديس”، ويخلص بعدها إلى نتيجة أن الجماعة التي تتكلم العربية بقيادة “بن باديس” لم تنجح في إرساء اتصال بين الروح الجزائرية، والتقاليد الأصلية للسلف الصالح “لاحظ معي موقع كلمة روح مع جزائرية، وكلمة تقاليد مع السلف الصالح”، وأن الجماعة الثانية التي تتكلم اللغة الفرنسية بقيادة التقدميين والماركسيين لم تستطع إرساء اتصال مع حضارةٍ، لعدم فهمهم لروحها العملية.
يؤكد ابن نبي بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، أو هكذا أفهم منه، أن امتلاك أي لغة ثانية، لا يعني ديناميت وانشقاقات، بل اللعب في عداد دين الدولة، والانقضاض على حضارتها، وتفسخ مكونها الإجتماعي، وأن من يرغب بتعلم لغة أخرى، فليتصل مع الروح العملية للدول المعنيّة كي يصل إلى الأفكار الفعالة.

من نافل القول أن الاهتمام بنتائج ظاهرة ازدواجية اللغة، مختلف تماماً عن دراسة دوافع الإقبال عليها، ومسبباتها التي هي أصل المسألة، غير أنه صار بإمكان كل من يدخل دولة أو يتكلم مع أناسها، أن يرى وجهها التقليدي التاريخي، وما المانع وأين القبح والإنشقاق في أن يلحظ إلمام بل وتعلق أهلها بلغات وحضارات وثقافات الغير؟ أنت حين تدخل لندن، ترى في مطار هيثرو ضابط الجوازات يلبس عمامته التقليدية السيخية، مزدوج اللغة والثقافة، عمله في وزارة الداخلية أحد أبرز مؤسسات المملكة، وتصل وسط لندن فتسمع عشرات اللغات، وترى من كل الثقافات، تتكلم مع الغجري والبولندي والجورجي والكردي والأفريقي، وتنصرف قائلاً “رأيت لندن”، فقد تأملت سائحاً ملحداً وآخر متديناً في ساحة وست منستر خارج مبنى البرلمان الذي في داخله أيضاً مسؤولون دينيون ولادينيون، لا فرق بين اثنين أو أربعة، بلغةٍ أم من غير لغة، بدينٍ أو من غير دين على أرض تحكم بحد العدل والحرية، ومنطق القانون، ليس ذنب أحد أن الإنسان العربي مرن إلى هذا الحد، كلما تحدث لغةً أخرى صار من قومها، ولا حرج عليه أنه متفلت من دينه الإسلامي، وواجبه القبلي البدائي، وثقافة مجتمعه البائتة، ولو حدث أن تطبّع الناس بما يحبون، وليس لأنهم هاربون من تفشي العفونة في النظم، والطائفية، وغياب العدل، واهتراء المناهج، فأين المشكلة؟! ثم ليس ذنب الأوروبيون أنهم لم يتأثروا جميعاً بالعربية، وليس شأنهم إذا تخلف العرب وعزفوا عن لغتهم، راجعوا أساتذة اللغة العربية ومجامعها.

وإذا كان ابن باديس ضد الإندماج والتجنيس، فقد خالف موقف رسوله في صلح الحديبية فيما هو أخطر من الإندماج، ألا وهو الإنشقاق والإرتداد، حين وافق على طلب المشركين التحاق أي مسلم بصفوفهم، وراداً إليهم أي واحد سيدخل منهم الإسلام، كان ذلك تصريحاً محمدياً للمسلمين بأن وقّعنا على طلب انضمام أيكم لصفوف المشركين، معللاً: إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله! ما قبل به الرسول، وجملته أعلاه تعقيباً على قبوله الطلب، هو تلخيص لمنطق الدين شأن بين الله وعباده، وللإنسان حرية الإنسلاخ، ولا سلطة أو وصاية لأحد على أحد، كان ذلك في حالة السلم، أما في حالة الحرب، فالأمر مختلف تماماً إذا ما تحدثنا عن كثير من المواقف في حروب الردة بعهد أبو بكر الصديق مثلاً.

الخلاصة أن العربي صاحب الهوية الإسلامية يخشَ بل يخاف عموماً قبول أي شيء، ويرحب بتصدير أي شيئ، ثقافة، دين، علم وفواكه، فثقافته ليس بعدها ولا قبلها ثقافة، انظر إليها كيف متراكمة، ودينه من عند الله ورسوله، ومن هذا الذي يتجرأ على الله ورسله، وفواكهه من أرض الأنبياء، وإذا لم يعجبك فاقرأ “والتين والزيتون وطور سينين”، وأما علمه، لن أقول لك أسسه خالدون كالخوارزمي وابن سينا والفارابي وغيرهم، بل انظر إلى ما وراء “وعلم آدم الأسماء كلها”، هذه الجمل أعلاه هي الأسلوب الرتيب والرد الميكانيكي الذي ستلقاه حين تتكلم مع عربي متديّن “مصنّف نخبوي”، ولن يتغير في الواقع شيئاً، فأنت أيها المواطن لست أمام دين بعلوم هيّنة أو قرآن بسيط، ولكنك حتماً أمام جماعة، أقلها أنها لا تملك أدنى مقومات السلوك الإنساني التفاعلي.

أن تؤيد ازدواجية اللغة، لا يعني أنك مؤيد للقتل البشع والاستعمار الفرنسي للجزائر.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s