اللغة مقاومة

ازرع كل الأرض مقاومة

ثمّة فرق بين الرأي والحقيقة، يختلف اثنان على جمال غزة، ولا يختلفان على مساحتها، يختلف واحد مع نفسه على صمودها في الحرب، ولا يختلف مع ملايين على عدد القتلى والجرحي، يكتفي واحد بالرأي ورأيه فقط، وآخر بالحقيقة وحقيقة تناسبه فقط، ويرى ثالث الآراء فلا تعجبه، والحقائق فلا يعترف بها، لكن أحداً لا يستطيع تغيير الحقيقة أو اسكات الرأي.

****
كل الإجرام في ثمانية أيام ضد غزة، بل والتّجلي الصهيوني في القتل، والبيوت التي سوّيت بالأرض وكست غزة بلون الرصاص، ويسمّيه البعض بكل رعونة “جيش الدفاع”، كيف لو أنه “جيش هجوم” ؟! اسمه لمن لديهم شغف وطني “عصابات صهيونية” أو جيش احتلال صهيوني، ولو شاء أحد الوقوف على الحياد، رغم أنه لا حياد في الإعلام بل موضوعية، وقلّة هم الموضوعيون، فهو “الجيش الإسرائيلي” فقط.

****
لا تملك العصابات الصهيونية عتاداً عسكرياً بل أسلحة فتّاكة، ولا إسرائيل دولة بل كيان، ولا باراك رئيس أركان بل مجرم حرب، ولا ما يرتكبه الكيان عقاب جماعي بل تنكيل انتقامي وعشوائي، لأن العقاب للمذنب والفلسطيني لم يقترف ذنباً، كما أن الذين تتعطّش الصهيونية لتصفيتهم مثل محمد الضيف ورائد العطار وغيرهم كثر، ليسوا مطلوبين وإنما مطاردين، فالمطلوب هو المجرم الفار من وجه العدالة.

****
الجهل بالتاريخ، وسذاجة الإعلام، وركاكة اللغة، وعشوائية وشرذمة الخطاب الفلسطيني، واستهبال بعض الناس، يجعل الحرب عسكرية “مقاومة” فقط، متى نجحنا نجحنا، ومتى فشلنا تخلّفنا أكثر، فمتى نتغلّب على الجهل أيضاً.

****
يقول هنري كيسنجر “الجيش خاسر إن لم يربح الحرب، والمقاومة رابحة إن لم تخسر الحرب”، ثمّة فرق بين الربح والانتصار، وبين قولك، خسر العدو لهذا سعدت، وانتصرت المقاومة لهذا رقصت، وخرجت للشارع لأني نجوت، لكن اللغة في فلسطين مقاومة أيَّما قلت.

****
هل تبسّمت غزة بعد الحرب؟ كلّا كانت تطبّل وتأكل بقلاوة، هل حسّت بالوجع؟ ثمة وقت معها كي تحس، هل بالرقص والطبل تجاوزت الجريمة التي نفّذتها إسرائيل؟ لا تفكير بعد اليوم يا حبيبي، تصريح، قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار!

****
طفل لم يتجاوز الرابعة من العمر يقال له الشّهيد البطل، متى أصبح بطلاً؟ تُسعدك صفة البطولة لمقاتل على خط النار، ذهب وعاد بها، ويضطرب وجدانك، ولا تتناغم انفعالاتك حين يُحمّلوها لطفل كان غارقاً في النوم بعد شوط من الرضاعة.

****
يقول المفكرون والمحللون في الوطن العربي جملة يوميّة، وهي أن فلسطين آخر بقعة محتلّة في العالم، ليس صحيحاً، فهي آخر بقعة لم تصمت على حقها منذ احتلالها، وتستعجل رحيل المحتل قبل بلوغه المائة عام، ثمّ أن التاريخ الذي يُكتب بدماء الصغار وأجمل النساء، ليس تاريخاً عربياً، وإنما الحقبة الفلسطينية من أجل التحرير.

****
إسرائيل لا تعتّم إعلامياً ولكنها تضلّل وتخدع، والخداع يحتاج إلى مهارة وأسلوب مثل الذي يملكه أفيخاي أدرعي حين يقول “ضربني وبكى سبقني واشتكى” فيضحك عليه الجمهور الفلسطيني، بدل أن يضحك على نفسه، حينما يتقن ثلثي عمّاله اللغة العبريّة كأداة يمكن بها مواجهة العدو، استدعوهم كما تستدعي إسرائيل جنود احتياطها، تفقّدوا معيار الحنين لديهم، يبدو أنهم في حالة اشتياق دائم لتصاريح العمل في إسرائيل.

****
ما ترجوه الأنظمة العربية هو أن تقاتل فلسطين وحدها وتنتصر وحدها، فهي لا ترغب في احتلالٍ إسرائيلي لبعض أراضيها مرّة أخرى، ومن يعتقد غير ذلك، فهذا جنون العاقل.

****
168 ضحيّة في غزة بينهم 43 طفلاً، وأكثر من ألف جريح ومصاب بالشلل، وتدمير للبيوت، تلى ذلك احتفالات على امتداد القطاع، التفاصيل تلخّصها قصّة رجل فقد كلتا ساقيه من أجل هدفٍ نبيل، ثمّ خرج جاره يلعب الكرة أمامه، يسدد الهدف تلو الآخر، غزة تسلّط الضوء دائماً على الظلام في محاولةٍ نحو الأمل، فتراها بالضوء تقدّم شكلاً آخر لساديّة اعتادت عليها، لكن صورةً لرجلٍ طاعن في السن خرج من بيته بهدوء، قبّل جبين مقاومٍ وانصرف بهدوء، إنه يفكر في ثلاثة وأربعين طفلاً، وحملهم تسعة أشهر، وآلام مخاض أمهاتهم، إنه يفكر في قول الشاعر:
وسل الأرامل بعد فقد رجالها *** كيف الليالى تنقضى والمهجع
سلها عن الأطفال عند مبيتهم *** والطفل دوماً بالأبوه مولع

****
ما تفعله إسرائيل هو غرور القوة لديها وما يفعله الفلسطينيون هو غرور المقاومة، متى يستطيع صاروخ فجر 5 أن يدمر مفاعل ديمونا النووي ؟ ذلك لا ينفع بالشعارات، ولا يتحقق تقنياً دون إيران، انفضوا الغبار عن جامعاتكم.

****
أفتحُ صفحة إنجليزية للتضامن مع فلسطين واكتب: والدتي تقول: الصواريخ الإسرائيلية تنزل علينا كالمطر، نسمع صراخ الأطفال من كل حدب وصوب.
تسأل شقراء: وهل والدتك بخير؟!
إنها بخير حتى اللحظة، الجميع ينتظر تلك الثانية، والدتي لا تبكي على الهاتف، ولكني أحسّها تقول مع السلامة!!

****
قد تكره أو تحب حماس أو أيّ فصيل آخر، ولكنّك في النهاية مع المقاومة، فلا تنسَ الانتقاد وتسديد ركلاتك الاحتجاجية، فليس الفصائل الفلسطينية ربانيّة، تمرّد أيها المواطن إلا على قيم الحب والحرية والمقاومة، فالطريق مليئ بالسياج، مقصاتكم دائماً وأولاً.

انتهى

****

تنويه واجب: بيتا الشعر لسالم خضر البحيصي الذي اعتقلته قوات الاحتلال وقد تجاوز الستين من عمره.

Advertisements

9 تعليقات to “اللغة مقاومة”

  1. nour abdo Says:

    كنت ناطرة ردك على هل المجزة ,,, لخصت فأصبت ,,, كتبت فأوجعت ,,, شكرا لك

  2. Sahar Muhaisen Says:

    حقيقةً أقولها، لم أستطع الخروج من هنا قبل وضع تعليق، بعد أن لم أجد الزر السحري الذي يرفع إبهامه لكَ مشجعاً، واسمه “لايك”. بين جميع من كتبوا عن حرب الثمانية أيام، لم يكتب بينهم أحد بشمولية واختصار كالذي كتبتَ هنا. جميُعنا متهمون، متهمون بالوطن، من في الداخل تهمته الإرهاب، ومن بالخارج تهمته “سبت وطنك وجاي تعمل وطني وفلسطيني هان؟”

    * لم أفهم نقطة إيران، (ما ترمي إليه بالضبط)..

    • مقلوبة Says:

      عزيزتي سحر، موضوع ترك الوطن اسطوانة قديمة جديدة منتهية الصلاحية،الفلسطيني لاجئ أينما توجه، غير أن من يرغب بالعمل لأجل فلسطين فالوصفة وطريقة الطبخ عندي، وإذا نحن تركنا البلد فعائلاتنا هناك. الخارج له حكاية، فاليوم مثلاً ذهب أكثر من 9 آلاف بريطاني إلى لندن يحتجون ويتضامنون مع فلسطين وليس غزة فحسب، لا أظن كثيرون سمعوا عنهم.
      لماذا إيران لأن تل آبيب قُصفت بسلاحها، ولأنها قادرة على نقل تجربتها في تطوير السلاح إلى فلسطين، إيران أمل جديد بالنسبة لي على الأقل، أما أنّ العربي وبالعامية “عايزني أموت وأنا بستناه يحرك دباباته”، فقد انتهى ذلك، ووضحت فذلك في سطر أعلاه، ولو كنت سأدخل في تفاصيل، لماذا إيران ؟ ذلك يتطلب مني الكتابة سنوات بحجم العجز العربي الماضي والقادم، ويتطلب مني الحديث عن الفرس وتاريخهم، أنا لست أقول إيران لأنها أصبحت تمتلك القوة الضاربة بل أيضاً لأن في إيران حضارة تعرفت عليها عن قرب بحكم عدد كبير من الأصدقاء من أصفهان وشيراز وقُم، إلى جنب بعض القراءات.
      وعندما أقول إيران أقول حزب الله في جهة الجنوب، علماً بإنه الحديث عن إيران في قضايا أخرى قد يكون نوعاً ما مختلف، أنا فقط أتناول تفصيل دقيق وهو النضال ضد إسرائيل فقط، عموماً لقد سمعت نصر الله يقول في آخر مقابلة له على قناة الميادين نحن جاهزون حتى لدخول الجليل، واليوم يقول محمود الزهار: انتهت المرحلة التي يغزونا فيها الصهاينة، المرة القادمة نحن سنغزوهم.

      أسعدني مرورك.

  3. Eng.A.S.M Says:

    كلماتك تصرخ بالواقع والحقائق معاً ،،غزة قد تتشقلب فيها المفاهيم ، الا اننا مع كل حرب ، نزداد وعياً بكل شيء ولا شيء ،، لا تعليق لدي الا ان هذا المقال من اجمل ما كتبت ،، استمر ،،

  4. نهال النحاس Says:

    كنت مستنية المقال دة منك والله … دايما ف الصميم

  5. zahra bar Says:

    انا لا اعيش في غزة لكن اشعر أني أتنشق وجعها. طوال أيام الحرب كنت احلم أن الصواريخ تسقط فوق رؤوس أطفالي و أني لا ادري كيف أجمع أشلاءهم . لذا شعرت بالصدمة عندما رأيت غزة ترقص فوق ركام بيوتها المدمرة . صمود المقاومة كان بطوليا …… لا شك, لكن كل ذلك الدمار و الموت و الذعر و العيش على حافة القصف يستحق لحظة صمت و حداد .
    هذا لا يعني أنني لا أنحني أحتراما امام كل المقاومين الذين جعلوا للصبر و الموت معنى يستحق ان يعاش.

  6. wissam Says:

    i added u
    this is my blog to add
    sallook.blogspot.com

  7. منى Says:

    اجمل ما قرات عن الحرب والله

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s