أنا أشم، إذن أنا موجود

ناجي

القارئ بعد الثورات العربية أصبح يشم عند القراءة، ولا عجب أن الحيوانات أيضاً تشم حتى تفهم، وشمها لأغراض متعددة، فالكلب يبحث عن المفقودين بالشم، ويكشف المخدرات بالشم، وكذلك تفعل حيوانات آخرى، لكن حيوان زاحف كالثعبان يشم بلسانه الذي به يتعرف على فريسته، وهكذا الناس تشم لأغراض مختلفة، بعضهم يدّعي إصابته بالزكام طوال السنة، ومنهم من يمر بمكبات القمامة فينفر من الرائحة ليس لأنها خنقته ولكن حتى يظهر للمارة أنه ولا يغركم من النوع الذي يشم ويتقزز، وبعضهم قابل للتعايش مع أي رائحة، وآخرون يحبسون أنفاسهم من الحنجرة دون أن يتجلَّى ذلك للعيان، فهم يشمون بصمت، وهناك من هم على شاكلتي حاسة الشم لديهم أقوى من البصر.

هذه مقدمة لا بد منها حتى نقول بعدها أنه كان لفلسطين نشيد هو “موطني” كتبه الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان، ولحّنه اللبناني محمد فليفل في العام 1934، كتبه طوقان يوم أدرك واستبطن معنى المقاومة ضد الاستعمار الأجنبي، فقال:

الشباب لن يكل همه أن تستقل أو يبيد.
نستقي من الردى ولن نكون للعدى كالعبيد.

جاءت بعدها منظمة التحرير وأقرت نشيد فدائي في السبعينات وصادقت عليه السلطة الوطنية حديثاً، فكان معنى الفداء أن يتم تسجيل الشباب في دورات شرطة، يقبضون رواتب شهرية من أميركا لحماية أمن إسرائيل، فتجلى هنا مفهوم العبيد الذي تكلم عنه طوقان.

يقول شاب ينتمي لحركة حماس أن النشيد الوطني الفلسطيني “فدائي” هو أحد إفرازات أوسلو وهو مشروع قديم حديث، فيتساءل آخر: ولماذا يقف إسماعيل هنية إحتراماً له، فيجاوب ثالث من وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، ويبدو أنه من تيار آخر داخل حماس قائلاً: الوقوف للنشيد الوطني لا يجوز، وهو منكر في الدين وليس من صفات المسلمين أن يقفوا لغير الله تعالى، واسماعيل هنية ليس قرآناً؟! ولو رأيت الرجل يمشي على الماء أو يطير في الهواء فلا تصدقه حتى تعرضه على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فيتدخل رابع قائلاً: الوقوف للنشيد الوطني أمر لا علاقة له بالدين، وهو أمر بروتوكولي، لقد غاب الثالث قليلاً وعاد بفتوى للشيخ الألباني تحت عنوان التقاليد الأوروبية الكافرة والبدع المنكرة. انتهى

هكذا تتلخص قصة نشيد وطني قد يُترجم قضية تحرر وطني، فقد خضع لمعايير المؤلف طوقان الذي كان وطنياً قومياً مرة، ودوزان الملحن مرة أخرى وهو دوزان شعب بأكمله على وتر أوسلو، ثم البروتوكول، وآخيراً الفتوى التي لم أنقلها لطولها.

قلت ذات مرة بعد أن تمعنت جيداً واقتنعت أن “النشيد الوطني” لا يعني شيئاً سوى أنه كلامُ شاعرٍ كثيرون أصدق منه، لكني لا أعرف أن المسألة تطورت مع حماس وأبنائها إلى حد المتعة التي بلغت ذروتها لدى فتح وأولادها، حيث أفهم من كلام جماعة حماس وفهمي “على قدي” أن إبراهيم طوقان ومُلحن قصيدته “موطني” اللبناني محمد فليفل، وسعيد المزين ومُلحن قصيدته “فدائي” الموسيقار المصري علي إسماعيل، وحتى الناس التي تقف للنشيد الوطني جميعهم طبالجية كفروا بالتزامهم ما نهى عنه الله “أي الوقوف للنشيد الوطني”، أو كما قال الآخر، هم على صواب لأنهم فعلوا ذلك “أي وقفوا للنشيد” لأجل البروتوكل، كم هو محظوظ هذا البروتوكول، عزفوا له نشيداً وطنياً.

Advertisements

2 تعليقان to “أنا أشم، إذن أنا موجود”

  1. جهاد Says:

    ابناء الشرموطة لا استثني منهم احدا.
    شكراً على استفزاز باطن الأرض

  2. Sahar Muhaisen Says:

    الوطن أصبح أنشودة في أفواهنا، أنشودة نلوكها ثم نبصقها. وحدهم الذين يعرفون قيمة أوطانهم الصغيرة “عوائلهم” هم من يدركون قيمة الوطن الكبير. فحب الوطن يبدأ صغيراً، بين حضن أب وأم وأخ وأخيّة..ثم يكبر ليتعدّى أسوار الوطن المحاطة بالأسلاك الشائكة، وليتعدّى حدود الخريطة التي رسموها لنا:

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s