إغراء فلسطين بحالها

14/02/2013
سوق على الدولة

سوق على الدولة

هكذا عندما تتكلم عن فلسطين لن تنتهي دائماً إلى نص مهذّب، فعملياً الفلسطيني لم يواجه الفوضى، ولم يبحث عن العلل، هو ينجذب للعشوائيات أسرع من التصاق المغناطيس ببرادة الحديد، لذلك فإن إسقاط نظريات علم النفس الاجتماعي على الحالة الفلسطينية، حتماً سيعطي نتائج غير طبيعيّة، أتحدث هنا عن البلادة كميكانزم للدفاع عن الذات وصوابية القرارات والأفعال الفرديّة والجماعيّة، بعد أن غدا جهد الفلسطيني متمركز حول مهمّة واحدة، هي المحافظة على المال السياسي الذي يهون بعده كل شيئ، الكذب، والنفاق، والفهلوة، وأعطني راتبي أطلّق لك حناجري، وإذا هتف الفلسطيني لكل الفصائل في آن واحد، فليس من باب الوحدة الوطنيّة ورصف الأشياء، أكثر منه للحاجة، هو يعتبر ذلك ذكاءاً، وأعتبره خبثاً لولاه ما كتبنا ولا علّقنا.

هذه مقدمة ربما تكون نافعة لأتحدث بعدها عن التكتليّة التي لم تكن هي الأداة الوحيدة الفاعلة في التعبئة لدى حركة فتح وشبيبتها، بل أُعلن عن تشييد المال السياسي كصراط فتحاوي مستقيم، أو نهج أبدي أقرب إلى الغاية منه إلى الوسيلة، فبدا التحوّل كمن يضع العربة أمام الحمار راجياً منه السير.
هذا صحيح، حركة فتح لم تكن فقيرة على الإطلاق، ويمكنك من خلال قراءة أعداد موظفيها وأعمارهم، أن تعرف بأن غناها كان أداة هامة في استمالة طاقات الشباب، وازداد ثراءها بعد اتفاق أوسلو بفضل المال الدولي الجاري في نهر السلطة الوطنية، هذا المال كرّس لدى أنصار فتح مسألة الحق في مكافأة مالية بعد سنوات من مناكفة إسرائيل ودليل ذلك، صورة بالجاليلو مع بوت الفورزا، لا زلت معلقة في صدر الدار، تُذكّر كل زائر للبيت الفتحاوي بالأيام الخوالي، صورة نمطيّة مستمرّة إلى يومنا هذا، جرّب وتحدث مع فتحاوي، سيُخيل إليك ثائراً شقياً، كبانشو فيلا كامناً لآلاف الجنود في الأحراش.

تسأل مناصراً لحركة فتح حول المسألة الفلسطينية، خلاصة حديثه: “فتح أول كل شيئ، الرصاصة والحجر والباقي، لذلك واجبنا أن نرتاح، ونحمي شعبنا، ونوفر له الأمن”، جملة “شاركنا في الكفاح المسلح” غالباً ما يتبعها جملة شرطية استنتاجية هي “من حقنا الحصول على مكافأة”، رغم أن ابن العشرين الذي يطالب بحقه باسم مشاركته في “الكفاح المسلح”، كان في مهده عندما اندلعت الانتفاضة الأولى عام 1987، بعضهم لم يكن مولوداً أصلاً، والذي شهد اندلاع الإنتفاضة الثانية عام 2000، كان على شفا مراهقته في صفوف الشرطة، فلا تعرف أي كفاح مسلح المقصود.

وزد على ذلك، أن أنصار الأحزاب الفلسطينية مُدرجون في قوائم كاملة، يتم ضبط مسائلهم “بالمساعدات”، فأن يقدم الحزب كابونة زيت وفاصولياء، غير أن يقدم وظيفة براتب شهري، وهذا ما يجعل الأحزاب توّاقة دائماً لقياس نسبة الإستمالة لدى الناس، بعد كل توزيعة مساعدات، يسميها الفلسطينيون “كابونة”، متعلقون بها إلى حد بعيد، بهذه الطريقة يتحكّم الحزب في حجم ونوعية “الكابونات” التي يتم ضخها في المخيمات، المثال الأقرب حول طبيعة المنافسة بين الأحزاب الفلسطينية لتأطير الناس واستقطابهم، كان في مرحلة السبعينات التي شهدت نشاطاً يسارياً على المستوى الثقافي والإجتماعي وحتى العسكري، هذا الصعود سبّب غيرة لدى منتسبي حركة فتح، على إثر ذلك تأسست لجان الشبيبة للعمل الإجتماعي، المعروفة حالياً باسم “الشبيبة الفتحاوية” هذه حاولت تعويض تخلّف فتح في مواجهة اليسار الفلسطيني، فاشتغلت على تقديم المساعدات والنشاطات الجماعيّة، بدل أن تهتم بالتدريس الأيديولوجي، لتناطح رأس اليسار المكتنزة بأشياء كثيرة، ولكنها رغم ما سبق، تغلغلت بسرعة وسط الجماهير، وتنوعت المساعدات حتى صار لفتح سلطة وطنية، وأصبح لا شيئ يضاهي إدراج اسم مواطن في كشف دورة عسكرية، أو تدبير تفريغ أمني له على أحد الوزارات، مساعدة كهذه كانت بحاجة لصاحب نفوذ في السلطة، وهي بالنسبة للمواطن تأمين لمستقبله، وجيد جداً القول بأن الجبهة الشعبية لم تصبر على دوام فقر أبناءها فكسرت الجرة.
لا تعتقد أيها القارئ ، بل تأكد أن ياسر عرفات وأعوانه ارتاحوا بعد ابتلاعهم تدريجياً أهالي قطاع غزة والضفة الغربية، وهضمهم في أجهزة الأمن، أصاب عرفات الهدف، ونجح في إبعاد جيل كامل عن دائرة الاهتمام بعنوان “التحرّر الوطني والقتال ضد إسرائيل”، تحوّل الجميع إلى شرطة ومخبرين تابعين للسلطة الوطنية، تحت إطار امتداد التبعية للقادة، وضبط كافة المسائل، وخاصة العسكرية منها، وإن كان توزيع الأدوار انتقائي إلى حد بعيد، فمناصب الوافدين ومراكز نفوذهم ليست عاديّة على اعتبار أنهم قادة تحرير وطني واستقلال ذاتي، اقتصادياً، امتلك هؤلاء رؤوس الأموال، وأوراق اللعب في التجارة مع إسرائيل بعد أن تأسست السلطة الوطنية.

في أواخر التسعين، انتقل أبناء حركة فتح إلى مرحلة الصفقات الكبيرة، وتحديداً “بعد قدوم السلطة بأربع سنوات”، حيث أصيب سكان غزة من منتسبي الأجهزة الأمنية بعدوى التجارة، بنظرهم إلى حال الوافدين وأيديهم الطائلة، وبالغيرة مع قليل من العلاقات العامة، أصبح لعدد منهم أنشطة اقتصادية، فكان العسكري صباحاً في مركز الشرطة، يمارس عمله كملازم ثان في المخابرات العسكرية، وفي المساء يدير محلاً للعطور والملابس الحريمي، وبهذه الطريقة، بدأ واستمر عقد الصفقات الكبيرة بين فلسطينيي الداخل والخارج، وحّدهم وجمع شملهم “البزنس” أكثر فأكثر.

في المحصلة، استجاب الكل لإغراء السلطة، وبعد أن كان الفلسطيني دائم النزاع مع أقرانه على القدرات الأمنية، وتبني الأعمال “النضالية” الفردية ضد إسرائيل، صار التشاجر والجدل حول الرتبة العسكرية وأحقيتها، والترقيات والعلاوات الإجتماعية، وقد تصدّرت هذه الإشكاليات المشهد الفلسطيني، كنت ترى شرطياً محتجزاً على خلفية تطاوله على ضابط في وزارة الداخلية، والسبب مناكفة حول استحقاقه رتبة عسكرية أخرى، سيزداد على إثرها الراتب الشهري، ويشار هنا أن دمج الفلسطيني الوافد مع أولاد المخيمات أثار صدامات كثيرة، ففي جو من عدم التفاهم، يتعاير الطرفان، ويريد كل واحد أن يُحترم حسب مكانته السياسية، وحجم عائلته، وماضيه النضالي.

أسلوب الحكم الذي اتبعته حركة فتح أثار سخط الأحزاب الفلسطينية الأخرى، بسبب التوزيع المالي ومراكز النفوذ، ولكن كان يرضي هذه الأحزاب تفريغ قائمة من شبانهم في دورة عسكرية، ويقابل ذلك دعوات أمهاتهم لرئيس السلطة بالانتصار على إسرائيل! أما الذي لم يتخلى من حركة حماس والجهاد الإسلامي عن مناكفة إسرائيل، فسرعان ما لجأ للسلاح، وشن العمليات في الداخل الإسرائيلي، كان ذلك قبل أن تقرر إسرائيل بناء جدار الفصل العنصري، حينما كانت ترد بفرض حصار إقتصادي، فيتوقف العمال عن الذّهاب للعمل داخل ما يعرف بالخط الأخضر، ويبدأ وخز قيادات السلطة لكل من منحته راتب شهري، للوقوف والتصدي لأتباع الحركات الإسلامية، على اعتبار أنهم مسؤولون عن تعطيل العمال تحت شعار “العبثية” الذي يكرره محمود عباس في خطاباته، من هنا بدأت الأفعال النديّة والصراع المجتمعي والحزبي الذي كان يعرف مفاتيحه ويسيطر عليه ياسر عرفات من خلال المال، وبالشعارات الوطنية (مقال سابق عن عرفات)، ولهذا السبب يترحّم عليه كل فلسطيني عند الحديث عن الوحدة الوطنية، دون النظر لتفاصيل وجذور المشكلة ليكتشف الجميع أن عرفات مؤسسها، بغض النظر إن كان أحدكم يفكّر بعرفات كنبي آخر من أنبياء القرن العشرين الجدد.

في الفترة ما بين اندلاع الإنتفاضة الثانية عام 2000، وسيطرة حماس على السلطة بغزة عام 2006، تلاشى الإحساس بالمنطق الوطني لدى أبناء الأجهزة الأمنية، وحَدَثَ على سبيل المثال، أن قام جندي في الأمن الوطني بتناول نصف ملعقة ملح في أحد مواقع الأمن، كي يرتفع ضغطه، ويحصل بعدها على إجازة لأسبوع كامل، أو كما قال لي آخر “أذهب لموقع الأمن كي أشرب إبريق الشاي، وآخر الشهر أكافئ عليه براتب، أليس في البيت شاي أيضاً!”.

النتيجة أن فراغ ميزانيّة السلطة، يسبب حساسيّة عالية لدى جيل الرواتب، وقد يصل الأمر حد تقلب مزاج أحدهم، واعتداءه على زوجته أو أحد أبناءه، إذا ما تأخر راتبه، وحدث أن طلق شاب في أحد محاكم غزة زوجته بسبب تأخر راتبه وتراكم ديونه، بعد أن قرر الزواج بناءً على وظيفته في الشرطة وراتبه الشهري، هذه خلاصة طموح السلطة الفلسطينية وفق مشروع أوسلو، وقبلات ياسر عرفات، المشروع الذي صار لاحقاً “دولة” تعيش أزمة رواتب منذ 6 سنوات.
لهذا السبب فضّل عدد كبير من منتسبي الأجهزة الأمنية، مؤخراً هجرتهم وبقائهم في أوروبا على عودتهم لتقاضي راتبهم الشهري، ورحّبوا بفصلهم من وظائفهم على اعتبار أن الراتب غير مضمون على المدى البعيد.

همّش طابع حركة فتح الإصطفائي شرائح واسعة في المجتمع، فلم يكن عينها على العائلات التي ينام كل أفرادها في غرفة واحدة، تفتقد لأدنى الشروط الصحيّة، ولم تقبل في أجهزتها الأمنية هؤلاء المقيمين في مساكن سقوفها من الصاج والأسبست، فكان الممسك بالسلطة يحابي العلاقات الشخصية، وظل المحروم يربط وضعه الإقتصادي اليتيم بوصفه خاضعاً للإحتلال، في محاولة للترفّع عن حجم ومكانة عائلته في المجتمع.

ظلت رؤية الناس هكذا تنحدر أكثر باتجاه تحويل علاقتهم مع أحزابهم إلى مسألة تجارية، دائماً يُستثنى منها أبناء الطبقات الفقيرة، هؤلاء الذين تم إقصائهم ورفضتهم حركة فتح، رحّبت بهم حماس فور بسط سيطرتها على قطاع غزة، حينما بدأت تؤسس أجهزتها الشرطية، وكانت بحاجة إلى أفراد أمن يتصدّرون المشهد كبديل عن كتائب عز الدين القسام، الذراع المسلح لحركة حماس، فتولّد لدى هذه الشريحة التي همشتها حركة فتح، رغبة بالانتقام، عززها استقوائهم بالجناح المسلح لحماس، لهذا السبب يتضح ولاءهم وطاعتهم لها، وهكذا يتطور الكيان الإجتماعي الفلسطيني، من فتح إلى حماس.

Advertisements

ازدواجية اللغة ونقد ابن نبي

28/01/2013
فترة الثورة الجزائرية وعلى الحائط بالفرنسية: بطل واحد، الشعب !

فترة الثورة الجزائرية وعلى الحائط بالفرنسية: بطل واحد، الشعب !

نعم سينتهي احتلال إسرائيل، وتصير اللغة السائدة في فلسطين هي العبرية، أقول لك صباح الخير تقول لي “بوكر توف”. لن نكون أكثر وعياً ونخبوية من الجزائر، عادوا وتشبثوا بالأندلسي النموذجي، وأرجعوا المندولين والكمان وآلة القانون، هذا صحيح، لكن أشياء أخرى بقيت على حالها بعد الإستعمار، اللغة الفرنسية مثلاً بقيت مهيمنة، يتكلم بها نصف السكان رغم نضال “بن باديس” رائد النهضة العلمية والإصلاحية في الجزائر، ولست أتفق مع نضاله آنذاك تحت شعار: “الإسلام ديننا – والعربية لغتنا – والجزائر وطننا – ضد الفرنسة والتنصير – والاندماج والتجنيس”.
فالإسلام ليس طابو مملوكاً للجزائر وابن باديسها، ولا العربية حكراً على المسلمين من العرب، أو كما كذب كثيرون قولاً فخصصوها لغةً لأهل الجنة، فقد تجد واحداً يهوى الغناء العربي الكلاسيكي، وقرر اتقان العربية، كالصديق البرازيلي “فيليب فيريرا”، وآخر مهتم باللغات وتاريخها، لذا فازدواجية اللغة ليست وزراً سيُدخل صاحبه النار، وازدواج اللغة لا يعني الاستيلاء وبالضرورة إسقاط لغة وإعلاء أخرى، وأكثر من ازدواجية اللغة والتجنيس والإنسلاخ، أنا مع اللاجغرافيا، وذلك مستحيل عملياً، ولكني أعتقد القول: فلان من “جغرافيا الجزائر”، لا “وطنه الجزائر”، وليس حدوده شمالاً البحر المتوسط، فليس البحر حدود، هو بحر، طبيعة وجغرافيا، وذلك من منطق الكزموبوليتانية في الجغرافيا البشرية.

قد لا نكون مع الازدواجية من منطلق “من تعلم لغة قومٍ أمن مكرهم”، ولكن من زاوية دراسة وفهم اللغات كعلوم، حيث وراء كل لغة حضارة، وهو ما أكده مالك بن نبي حين اعتبر مثالاً أن دراسة الأزهري علي عبد الرازق في جامعة أكسفورد البريطانية، لم تحرره من الكلاسيكية المزيفة بعد الموحدين، بل تجاوز ذلك إلى التخلص من منهج الأصل الإسلامي، وأشار أن الإنشقاق الذي أدخلته ازدواجية اللغة في العالم الثقافي للبلد الإسلامي، ليس فقط ذات طابع جمالي إنما هو ذو طابع فلسفي وأخلاقي.
مرحباً بازدواجية اللغة، إذا كانت تُحدث انشقاقات “فلسفية” ستخلق نشاطاً إنسانياً إيجابياً، وفضاءً معرفياً، وأما “الأخلاق” فلا أدرِ كيف يمكن أن تسبب لغة أخرى، انشقاقاً أخلاقياً، أنت عندما تتعلم لغة ما، وتجرف معها ثقافة أفرادها، فهذا ليس فيه انشقاق بل لجوء ورغبة في الأشياء، هذا لا يحدث دون الشغف كقوة خفية تبني شخصيات إنسانية تمتلك أدواتها، وقادرة على رفع مستوى الثقافة والعلم.

مثال آخر لابن نبي، يتحدث فيه عن ازدواجية اللغة، يصفها بالديناميت الذي قُذف في المجتمع الجزائري، وأحدث انشقاقاً، فيقول أن ذلك أظهر جماعتان من النخبة، واحدة تتكلم العربية وتحاول استرداد الأصول الإسلامية بزعامة بن باديس، وجماعة تتكلم الفرنسية مثل البربرية والتقدمية والوجودية والماركسية، وتحاول أن تخدم سماتها ونفسها “يقصد أنها لا تخدم الدين الإسلامي كجماعة بن باديس”، ويخلص بعدها إلى نتيجة أن الجماعة التي تتكلم العربية بقيادة “بن باديس” لم تنجح في إرساء اتصال بين الروح الجزائرية، والتقاليد الأصلية للسلف الصالح “لاحظ معي موقع كلمة روح مع جزائرية، وكلمة تقاليد مع السلف الصالح”، وأن الجماعة الثانية التي تتكلم اللغة الفرنسية بقيادة التقدميين والماركسيين لم تستطع إرساء اتصال مع حضارةٍ، لعدم فهمهم لروحها العملية.
يؤكد ابن نبي بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، أو هكذا أفهم منه، أن امتلاك أي لغة ثانية، لا يعني ديناميت وانشقاقات، بل اللعب في عداد دين الدولة، والانقضاض على حضارتها، وتفسخ مكونها الإجتماعي، وأن من يرغب بتعلم لغة أخرى، فليتصل مع الروح العملية للدول المعنيّة كي يصل إلى الأفكار الفعالة.

من نافل القول أن الاهتمام بنتائج ظاهرة ازدواجية اللغة، مختلف تماماً عن دراسة دوافع الإقبال عليها، ومسبباتها التي هي أصل المسألة، غير أنه صار بإمكان كل من يدخل دولة أو يتكلم مع أناسها، أن يرى وجهها التقليدي التاريخي، وما المانع وأين القبح والإنشقاق في أن يلحظ إلمام بل وتعلق أهلها بلغات وحضارات وثقافات الغير؟ أنت حين تدخل لندن، ترى في مطار هيثرو ضابط الجوازات يلبس عمامته التقليدية السيخية، مزدوج اللغة والثقافة، عمله في وزارة الداخلية أحد أبرز مؤسسات المملكة، وتصل وسط لندن فتسمع عشرات اللغات، وترى من كل الثقافات، تتكلم مع الغجري والبولندي والجورجي والكردي والأفريقي، وتنصرف قائلاً “رأيت لندن”، فقد تأملت سائحاً ملحداً وآخر متديناً في ساحة وست منستر خارج مبنى البرلمان الذي في داخله أيضاً مسؤولون دينيون ولادينيون، لا فرق بين اثنين أو أربعة، بلغةٍ أم من غير لغة، بدينٍ أو من غير دين على أرض تحكم بحد العدل والحرية، ومنطق القانون، ليس ذنب أحد أن الإنسان العربي مرن إلى هذا الحد، كلما تحدث لغةً أخرى صار من قومها، ولا حرج عليه أنه متفلت من دينه الإسلامي، وواجبه القبلي البدائي، وثقافة مجتمعه البائتة، ولو حدث أن تطبّع الناس بما يحبون، وليس لأنهم هاربون من تفشي العفونة في النظم، والطائفية، وغياب العدل، واهتراء المناهج، فأين المشكلة؟! ثم ليس ذنب الأوروبيون أنهم لم يتأثروا جميعاً بالعربية، وليس شأنهم إذا تخلف العرب وعزفوا عن لغتهم، راجعوا أساتذة اللغة العربية ومجامعها.

وإذا كان ابن باديس ضد الإندماج والتجنيس، فقد خالف موقف رسوله في صلح الحديبية فيما هو أخطر من الإندماج، ألا وهو الإنشقاق والإرتداد، حين وافق على طلب المشركين التحاق أي مسلم بصفوفهم، وراداً إليهم أي واحد سيدخل منهم الإسلام، كان ذلك تصريحاً محمدياً للمسلمين بأن وقّعنا على طلب انضمام أيكم لصفوف المشركين، معللاً: إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله! ما قبل به الرسول، وجملته أعلاه تعقيباً على قبوله الطلب، هو تلخيص لمنطق الدين شأن بين الله وعباده، وللإنسان حرية الإنسلاخ، ولا سلطة أو وصاية لأحد على أحد، كان ذلك في حالة السلم، أما في حالة الحرب، فالأمر مختلف تماماً إذا ما تحدثنا عن كثير من المواقف في حروب الردة بعهد أبو بكر الصديق مثلاً.

الخلاصة أن العربي صاحب الهوية الإسلامية يخشَ بل يخاف عموماً قبول أي شيء، ويرحب بتصدير أي شيئ، ثقافة، دين، علم وفواكه، فثقافته ليس بعدها ولا قبلها ثقافة، انظر إليها كيف متراكمة، ودينه من عند الله ورسوله، ومن هذا الذي يتجرأ على الله ورسله، وفواكهه من أرض الأنبياء، وإذا لم يعجبك فاقرأ “والتين والزيتون وطور سينين”، وأما علمه، لن أقول لك أسسه خالدون كالخوارزمي وابن سينا والفارابي وغيرهم، بل انظر إلى ما وراء “وعلم آدم الأسماء كلها”، هذه الجمل أعلاه هي الأسلوب الرتيب والرد الميكانيكي الذي ستلقاه حين تتكلم مع عربي متديّن “مصنّف نخبوي”، ولن يتغير في الواقع شيئاً، فأنت أيها المواطن لست أمام دين بعلوم هيّنة أو قرآن بسيط، ولكنك حتماً أمام جماعة، أقلها أنها لا تملك أدنى مقومات السلوك الإنساني التفاعلي.

أن تؤيد ازدواجية اللغة، لا يعني أنك مؤيد للقتل البشع والاستعمار الفرنسي للجزائر.

حفلة وطن محتل

04/01/2013

sandwich

اعتاد الفلسطيني أن يقف لثلاثة: النشيد الوطني، وإنطلاقة الحزب، والصرّاف الآلي. فعلاً هذه المرة لم يهن على أحد فتح في ليلة الخميس، لهذا بدأت الانطلاقة باكراً. الهتافات عوّضت الفتحاوي سنوات حرمانه الست، راجياً أن تصرف له الحركة ثمن علبة سكر فضة لاستعادة صوته المبحوح، الكشوفات سيرفعها أبناء الشبيبة لرئيس السلطة الوطنية محمود عباس مطلع فبراير.

ست سنوات من البطالة المقنّعة مرّت على أنصار حركة فتح بغزة، كان عليهم فقط أن ينفقوا ثمن شراء “كيس ترمس” وقد فعلوا في مهرجان الانطلاقة، كما اشترى أتباع حماس زجاجات العطر التي تحمل اسم صواريخ أم 75، أنت ترش العطر، إذن أنت تقاوم، أنت مؤيّد، اشتري، روّج.

في الحصاد الأولي بعد انطلاقة حركة فتح، يعلن صاحب محل بغزة، أنه باع آلاف من سندويشات المخ، اطلق عليها اسم “ساندويتش مخ فتح”، يعني لو كنت تنادي بالوحدة الوطنية الفلسطينية، ارتدي ملابسك، رش قليلاً من عطر صورايخ “أم 75″، وتفضل تناول “ساندويش مخ فتح”، أنت بذلك مشروع وحدة وطنية متكامل، “متعطر وشبعان”، بإمكانك التفاوض مع أي إسرائيلي بارتياح.

فتح كانت ترجو انطلاقة واحدة تحسبها استفتاءاً على برنامجها السياسي، وبعد أن انطلقت، هي الآن بحاجة لمن يوقفها، ويسألها عن خارطة الطريق المقبلة، ومثلها مثل الفصائل الأخرى، دائمة الشعور بالغيرة من بعضها، تحسب بالورقة والقلم نسبة جمهورها، فحماس مثل فتح، تعرف أن واحد مؤيد لوجه الله تعالى، وعشرة لوجه العملة الإسرائيلية، في المحصلة، سيماهم في وجوههم، سترى بعد كل إنطلاقة جماهيرية للأحزاب الفلسطينية، أن الفتحاوي ليس له ذقن، لكن عنده سوالف.

اللغة مقاومة

24/11/2012

ازرع كل الأرض مقاومة

ثمّة فرق بين الرأي والحقيقة، يختلف اثنان على جمال غزة، ولا يختلفان على مساحتها، يختلف واحد مع نفسه على صمودها في الحرب، ولا يختلف مع ملايين على عدد القتلى والجرحي، يكتفي واحد بالرأي ورأيه فقط، وآخر بالحقيقة وحقيقة تناسبه فقط، ويرى ثالث الآراء فلا تعجبه، والحقائق فلا يعترف بها، لكن أحداً لا يستطيع تغيير الحقيقة أو اسكات الرأي.

****
كل الإجرام في ثمانية أيام ضد غزة، بل والتّجلي الصهيوني في القتل، والبيوت التي سوّيت بالأرض وكست غزة بلون الرصاص، ويسمّيه البعض بكل رعونة “جيش الدفاع”، كيف لو أنه “جيش هجوم” ؟! اسمه لمن لديهم شغف وطني “عصابات صهيونية” أو جيش احتلال صهيوني، ولو شاء أحد الوقوف على الحياد، رغم أنه لا حياد في الإعلام بل موضوعية، وقلّة هم الموضوعيون، فهو “الجيش الإسرائيلي” فقط.

****
لا تملك العصابات الصهيونية عتاداً عسكرياً بل أسلحة فتّاكة، ولا إسرائيل دولة بل كيان، ولا باراك رئيس أركان بل مجرم حرب، ولا ما يرتكبه الكيان عقاب جماعي بل تنكيل انتقامي وعشوائي، لأن العقاب للمذنب والفلسطيني لم يقترف ذنباً، كما أن الذين تتعطّش الصهيونية لتصفيتهم مثل محمد الضيف ورائد العطار وغيرهم كثر، ليسوا مطلوبين وإنما مطاردين، فالمطلوب هو المجرم الفار من وجه العدالة.

****
الجهل بالتاريخ، وسذاجة الإعلام، وركاكة اللغة، وعشوائية وشرذمة الخطاب الفلسطيني، واستهبال بعض الناس، يجعل الحرب عسكرية “مقاومة” فقط، متى نجحنا نجحنا، ومتى فشلنا تخلّفنا أكثر، فمتى نتغلّب على الجهل أيضاً.

****
يقول هنري كيسنجر “الجيش خاسر إن لم يربح الحرب، والمقاومة رابحة إن لم تخسر الحرب”، ثمّة فرق بين الربح والانتصار، وبين قولك، خسر العدو لهذا سعدت، وانتصرت المقاومة لهذا رقصت، وخرجت للشارع لأني نجوت، لكن اللغة في فلسطين مقاومة أيَّما قلت.

****
هل تبسّمت غزة بعد الحرب؟ كلّا كانت تطبّل وتأكل بقلاوة، هل حسّت بالوجع؟ ثمة وقت معها كي تحس، هل بالرقص والطبل تجاوزت الجريمة التي نفّذتها إسرائيل؟ لا تفكير بعد اليوم يا حبيبي، تصريح، قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار!

****
طفل لم يتجاوز الرابعة من العمر يقال له الشّهيد البطل، متى أصبح بطلاً؟ تُسعدك صفة البطولة لمقاتل على خط النار، ذهب وعاد بها، ويضطرب وجدانك، ولا تتناغم انفعالاتك حين يُحمّلوها لطفل كان غارقاً في النوم بعد شوط من الرضاعة.

****
يقول المفكرون والمحللون في الوطن العربي جملة يوميّة، وهي أن فلسطين آخر بقعة محتلّة في العالم، ليس صحيحاً، فهي آخر بقعة لم تصمت على حقها منذ احتلالها، وتستعجل رحيل المحتل قبل بلوغه المائة عام، ثمّ أن التاريخ الذي يُكتب بدماء الصغار وأجمل النساء، ليس تاريخاً عربياً، وإنما الحقبة الفلسطينية من أجل التحرير.

****
إسرائيل لا تعتّم إعلامياً ولكنها تضلّل وتخدع، والخداع يحتاج إلى مهارة وأسلوب مثل الذي يملكه أفيخاي أدرعي حين يقول “ضربني وبكى سبقني واشتكى” فيضحك عليه الجمهور الفلسطيني، بدل أن يضحك على نفسه، حينما يتقن ثلثي عمّاله اللغة العبريّة كأداة يمكن بها مواجهة العدو، استدعوهم كما تستدعي إسرائيل جنود احتياطها، تفقّدوا معيار الحنين لديهم، يبدو أنهم في حالة اشتياق دائم لتصاريح العمل في إسرائيل.

****
ما ترجوه الأنظمة العربية هو أن تقاتل فلسطين وحدها وتنتصر وحدها، فهي لا ترغب في احتلالٍ إسرائيلي لبعض أراضيها مرّة أخرى، ومن يعتقد غير ذلك، فهذا جنون العاقل.

****
168 ضحيّة في غزة بينهم 43 طفلاً، وأكثر من ألف جريح ومصاب بالشلل، وتدمير للبيوت، تلى ذلك احتفالات على امتداد القطاع، التفاصيل تلخّصها قصّة رجل فقد كلتا ساقيه من أجل هدفٍ نبيل، ثمّ خرج جاره يلعب الكرة أمامه، يسدد الهدف تلو الآخر، غزة تسلّط الضوء دائماً على الظلام في محاولةٍ نحو الأمل، فتراها بالضوء تقدّم شكلاً آخر لساديّة اعتادت عليها، لكن صورةً لرجلٍ طاعن في السن خرج من بيته بهدوء، قبّل جبين مقاومٍ وانصرف بهدوء، إنه يفكر في ثلاثة وأربعين طفلاً، وحملهم تسعة أشهر، وآلام مخاض أمهاتهم، إنه يفكر في قول الشاعر:
وسل الأرامل بعد فقد رجالها *** كيف الليالى تنقضى والمهجع
سلها عن الأطفال عند مبيتهم *** والطفل دوماً بالأبوه مولع

****
ما تفعله إسرائيل هو غرور القوة لديها وما يفعله الفلسطينيون هو غرور المقاومة، متى يستطيع صاروخ فجر 5 أن يدمر مفاعل ديمونا النووي ؟ ذلك لا ينفع بالشعارات، ولا يتحقق تقنياً دون إيران، انفضوا الغبار عن جامعاتكم.

****
أفتحُ صفحة إنجليزية للتضامن مع فلسطين واكتب: والدتي تقول: الصواريخ الإسرائيلية تنزل علينا كالمطر، نسمع صراخ الأطفال من كل حدب وصوب.
تسأل شقراء: وهل والدتك بخير؟!
إنها بخير حتى اللحظة، الجميع ينتظر تلك الثانية، والدتي لا تبكي على الهاتف، ولكني أحسّها تقول مع السلامة!!

****
قد تكره أو تحب حماس أو أيّ فصيل آخر، ولكنّك في النهاية مع المقاومة، فلا تنسَ الانتقاد وتسديد ركلاتك الاحتجاجية، فليس الفصائل الفلسطينية ربانيّة، تمرّد أيها المواطن إلا على قيم الحب والحرية والمقاومة، فالطريق مليئ بالسياج، مقصاتكم دائماً وأولاً.

انتهى

****

تنويه واجب: بيتا الشعر لسالم خضر البحيصي الذي اعتقلته قوات الاحتلال وقد تجاوز الستين من عمره.

أنا أشم، إذن أنا موجود

22/10/2012

ناجي

القارئ بعد الثورات العربية أصبح يشم عند القراءة، ولا عجب أن الحيوانات أيضاً تشم حتى تفهم، وشمها لأغراض متعددة، فالكلب يبحث عن المفقودين بالشم، ويكشف المخدرات بالشم، وكذلك تفعل حيوانات آخرى، لكن حيوان زاحف كالثعبان يشم بلسانه الذي به يتعرف على فريسته، وهكذا الناس تشم لأغراض مختلفة، بعضهم يدّعي إصابته بالزكام طوال السنة، ومنهم من يمر بمكبات القمامة فينفر من الرائحة ليس لأنها خنقته ولكن حتى يظهر للمارة أنه ولا يغركم من النوع الذي يشم ويتقزز، وبعضهم قابل للتعايش مع أي رائحة، وآخرون يحبسون أنفاسهم من الحنجرة دون أن يتجلَّى ذلك للعيان، فهم يشمون بصمت، وهناك من هم على شاكلتي حاسة الشم لديهم أقوى من البصر.

هذه مقدمة لا بد منها حتى نقول بعدها أنه كان لفلسطين نشيد هو “موطني” كتبه الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان، ولحّنه اللبناني محمد فليفل في العام 1934، كتبه طوقان يوم أدرك واستبطن معنى المقاومة ضد الاستعمار الأجنبي، فقال:

الشباب لن يكل همه أن تستقل أو يبيد.
نستقي من الردى ولن نكون للعدى كالعبيد.

جاءت بعدها منظمة التحرير وأقرت نشيد فدائي في السبعينات وصادقت عليه السلطة الوطنية حديثاً، فكان معنى الفداء أن يتم تسجيل الشباب في دورات شرطة، يقبضون رواتب شهرية من أميركا لحماية أمن إسرائيل، فتجلى هنا مفهوم العبيد الذي تكلم عنه طوقان.

يقول شاب ينتمي لحركة حماس أن النشيد الوطني الفلسطيني “فدائي” هو أحد إفرازات أوسلو وهو مشروع قديم حديث، فيتساءل آخر: ولماذا يقف إسماعيل هنية إحتراماً له، فيجاوب ثالث من وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، ويبدو أنه من تيار آخر داخل حماس قائلاً: الوقوف للنشيد الوطني لا يجوز، وهو منكر في الدين وليس من صفات المسلمين أن يقفوا لغير الله تعالى، واسماعيل هنية ليس قرآناً؟! ولو رأيت الرجل يمشي على الماء أو يطير في الهواء فلا تصدقه حتى تعرضه على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فيتدخل رابع قائلاً: الوقوف للنشيد الوطني أمر لا علاقة له بالدين، وهو أمر بروتوكولي، لقد غاب الثالث قليلاً وعاد بفتوى للشيخ الألباني تحت عنوان التقاليد الأوروبية الكافرة والبدع المنكرة. انتهى

هكذا تتلخص قصة نشيد وطني قد يُترجم قضية تحرر وطني، فقد خضع لمعايير المؤلف طوقان الذي كان وطنياً قومياً مرة، ودوزان الملحن مرة أخرى وهو دوزان شعب بأكمله على وتر أوسلو، ثم البروتوكول، وآخيراً الفتوى التي لم أنقلها لطولها.

قلت ذات مرة بعد أن تمعنت جيداً واقتنعت أن “النشيد الوطني” لا يعني شيئاً سوى أنه كلامُ شاعرٍ كثيرون أصدق منه، لكني لا أعرف أن المسألة تطورت مع حماس وأبنائها إلى حد المتعة التي بلغت ذروتها لدى فتح وأولادها، حيث أفهم من كلام جماعة حماس وفهمي “على قدي” أن إبراهيم طوقان ومُلحن قصيدته “موطني” اللبناني محمد فليفل، وسعيد المزين ومُلحن قصيدته “فدائي” الموسيقار المصري علي إسماعيل، وحتى الناس التي تقف للنشيد الوطني جميعهم طبالجية كفروا بالتزامهم ما نهى عنه الله “أي الوقوف للنشيد الوطني”، أو كما قال الآخر، هم على صواب لأنهم فعلوا ذلك “أي وقفوا للنشيد” لأجل البروتوكل، كم هو محظوظ هذا البروتوكول، عزفوا له نشيداً وطنياً.

درس في الثقافة السعودية

10/06/2012

خرجت من خان الخليلي بالقاهرة القديمة منتهياً من سهرةٍ شعبية، وقد تخزّن في وجداني عزف ربابتها ومزمارها، مشيت باتجاه حي الحسين وأنا أدندن “ده لولا النبي ما كان الكون قدر، ولا كان فيه ناس لا صلت ولا صامت”، وعلى مقربة من الخان ركبت التاكسي الأبيض متوجهاً إلى مقهى الحرية وسط البلد، قلت للسائق عن المكان، فتأكد من لهجتي أنني لست مصرياً، فبدأ يحدثني عن الوضع الراهن مع قليل من الجغرافيا السياسية، ثم بقدرة قادر وصل في كلامه للمفاتيح العشرة للنجاح، بقيت مصغياً لحديثه طول الطريق بكل اهتمام وقليل من السذاجة مع هزات خفيفة للرأس تؤكد له صحة معلوماته، وعلامة تعجب صنعتها لتبين له حماقتي، أظنه لاحظها بنظراته الخاطفة في المرآة الأمامية، وللتأكيد فإني لم أكن ألبس جلابية ولا عقال، اقتربنا من حي باب اللوق، وقبل أن ينزلني بدقيقة، قال لي: “تصدق إني مرة قلت الكلام ده لراكب سعودي، فقلي ما شاء الله عليك وعلى ثقافتك وأعطانئ 200 جنيه”.

انتبه.. القيادة في المطعم، والشعب يريد “بخشيش”

28/04/2012

ليست لديّ مشكلة مع أي صحفي “خريج سجون”، أو يتكلم “لغة عبرية”، أو “لف العالم” سواء “شحططة عمل” أو “دشارة”، لكن مشكلتي مع الصحافي “النيولوك”، أو “نجم الساحة”.
على غير عادتي جربت قراءة مقال للصحافي ناصر، بعنوان “مفاجأة من القيادة للشعب الفلسطيني”، ويبدو أنه “قامت قيامتي” فقلت هذا المقال “عز الطلب” يجب أن تكتب عنه يا ولد، و”عليا وعلى أعدائي”، لاسيما أن “لا شغلة ولا عملة” لحضرتي غير “البعبشة” في المقالات والكتب، والله وكيلك نفسي دنيئة، لا أبحث إلا عن السقطات والكلام التلفيقي النفاقي، لذلك وجب أن “أنغص” على ناصر وجمهوره.

ناصر.. ضع فلسطين في جملة مفيدة، وانتظرها، ولكن لا تقل “القيادة الفلسطينية تستهجن بناء البؤر الاستيطانية وتعتبره مُسمار آخر في نعش السلام”، فنحن لسنا “طوبرجية”، ولو أنّك مضطر لإلصاق اسم القيادة مع فلسطين، والاستيطان مع المُسمار ونعش السلام، فأرجو التوضيح هل هو مُسمار 6 أم 10 ؟ ومتى سيبدأ دق “الأزاميل” في نعش السلام ؟

يَجمَع الصحافيون الفلسطينيون وحدة الدين واللغة والعادة، ولكن الإختلاف “وهنا المهارة”، هو في التهريج، فليس كل صحفي مهرّج، وليس كل مهرّج يستطيع “بيع الميه في حارة السقايين” إلا إذا كان ابن سلطة بالتبني، وحامل وجع القضية، والوجع عايز دوا، والدوا عايز “فلوس”، والفلوس عند سلام فياض.

يكتب ناصر عن الأسرى “بنعرة” رجل مناضل، ويُطالب السلطة الوطنية وقيادتها بحركة “فهلوة” من أجل الأسرى، بينما الرئيس محمود عباس لا يحل عنّه، أو العكس “ناصر لا يحل عن الرئيس”، لا في مكتب، ولا طيارة، ولا حتى في “أوتيل”، ويشطح معه على بلاد الواق واق الخلاق، في حين لم يجرؤ أن يقول له: “يا محمود لقد أصبحت عجوز، 75 سنة ويبدو أنك مصابٌ “بالخرف”، فبدل أن تُطالب بإطلاق سراح كل الأسرى، طالبت فقط بالإفراج عن 120 أسيراً اعتقلوا قبل توقيع اتفاق أوسلو، فهل هذا من أعراض “جنون الإنسان” أم “جنون البقر” ؟ إنتظر يا ناصر إجابة الرئيس، وإذا ابتسم قبل الإجابة، يا حبذا لو تخبرني لأنها تعني “لا مؤاخذة السؤال عيب”.

يقول ناصر بأن “الشارع الفلسطيني ذكي بما فيه الكفاية ليفرق بين خطاب مسؤول يمتطي سيارة فارهة..، وبين صرخة استغاثة من ثائر جفّ حلقه”. لديّ سؤال بريء لناصر..! هل “تشطح” مع الرئيس في أوروبا على “بسكليت أبو جحشين” مثلاً ؟ وعندما “تطبل وتزمر” على وكالتك الإخبارية حول زياراتك المكوكية غير المفيدة، وترمي كل أسبوع خبر غير مهم لنوادي الصحافة كي يرسلوا لك دعوات لزيارة مؤتمراتهم حتى “تلهط” الأكل والحلويات هناك، فهل هذا اسمه “بروتوكول صحي” أم “أصول شغل” ولا “الشارع الفلسطيني ذكي زيادة عن اللزوم” ؟

يشير ناصر إلى أن “الأسرى لا يحتاجون إلى خطابات أو هواتف نقالة ورتب وهمية بل إلى التحرير”، وهو “بشحمه ولحمه” دق مضاجع “النايمين والسميعة” عندما وقف على المنبر في أكاديمية العلوم الأمنية بأريحا، وقال: “إن جيش السلطة “الرتب الوهمية” هو الذي سيحرر فلسطين”، ولا زال يطل على “الحبايب” بشكل “مهندم”، ويخطب في الجامعات الفلسطينية كقائد ميداني، فهل هذه خطابات ثورية، ولا “مغنجة” ؟

يؤكد ناصر أنه “عاش تجربة السجن ويعتبرها من أسوأ فترات حياته التي كان يتمنى فيها الموت في أي حادث سوى الموت جوعاً”. يعني حتى لا “نتفصحن”، وبلا حسد، ناصر “خريج سجون”، لكنه لو مات من الجوع وقتها لأصبح بطل “يا ليتك كنت بطل يا ناصر”، ولكن يا ليت عمرها ما تعمر بيت، ولا “عش عصافير كناري”، المهم أن ناصر صار صحفياً، يعني أكثر من بطل، ويشاهد بعينه موت الأسرى من الجوع، لكن طلبه الوحيد لحل الموضوع هو: “تحرك سياسي، وبأي شكل كان، من أجل إقناع نتنياهو بإطلاق سراح عدد من الأسرى”. فعلاً ناصر هو الصحافي الذي يمسك “العكاز” من المنتصف، مرة “يتعكز” عليه، ومرة يرقص فيه، إجمالاً هو رجل “بوظة”، يعني “يلتحس” بلحمه وعظمه، ولا يفكرني بمزح.

الصحافي الحنون ناصر، يخاطب الجمهور بـ “إخوتي وأخواتي” رغم أنني وعائلتي من هذا الجمهور، ونحن “سلامة قيمتنا” لا إخوته ولا ما يحزنون، حتى أن أخي الصغير قال لي، يجب أن يترك ناصر “الهمبكة”، فيكفي ياسر عرفات لعب الدور، يا ريت يلعب غيره حتى نتابعه.

يقول ناصر: “وفي وقت لاحق يمكن أن نتحدّث بالتفصيل عن الخلل الاستراتيجي في التعامل مع قضية الأسرى”.
وجهة نظري “رغم قلّة الحياء والنظر” أن الخلل رومانتيكي يا ناصر، يعني قصدي أقول “المسجد الأقصى ليس على مئذنته “ريشة طاووس” كلما زاره إسرائيلي، تقوم قيامة الشعب، لقد انتهى هذا “الستايل”، وأصبحت الزيارات للأقصى عربية، ولا فرق، سوى أن الإنتفاضة المقبلة هي من جوع الأسرى وليس من الأقصى، إلا إذا الشعب يريد “بخشيش” فوق راتب السلطة.

يحرّف ناصر شعر “توفيق زيّاد” بطريقة “مجلمطة” رخوة، ولو كان توفيق حي، لكان “شخرله” مثلما شخر للقيادة الفتحاوية عند إحياء ذكرى يوم الأرض، حين قال: “بدهم يحوّلوا يوم الأرض لعيد، والناس توكل حلو، وتوكل قطين، وتوكل طمر”.

عموماً بما أنني أُمثل نفسي “وكثير عليّ”، وأعيش “ستايل” الليبرالية وأنا ربع ليبرالي، فلن أحرم ناصر من المفاجأة التي طلبها من السلطة الوطنية، ويكفيني لعب دور رسام كاريكاتير، وأرسم “ناصر” على كرتونة “بني”، وأرسم نفسي على دفتر “أبو أربعين”، المشهد: ناصر دكتور “حِمش” رأسه كبير يقول “ثورة ثورة حتى النصر”، وفي اللوحة ولد صغير يتعلم “البصق”، يمشي ويبصق حوله.

صفقتان مع إبليس

15/04/2012

الصفقة الأولى: حوار مع صيني يُدعى “ونهو”

ونهو: أنت مسلم؟
أنا: نعم
ونهو: لدي سؤال.!
أنا: تفضل
ونهو: أعيش مع ثلاثة مسلمين، أحدهم يُصلي ويشرب البيرة، هل هو مسلم؟
أنا: نعم
ونهو: الثاني يسمع القرآن ويدخّن الماريجوانا، هل هو مسلم؟
أنا: نعم
ونهو: الثالث يصوم ويقبّل الفتيات، هل هو مسلم؟
أنا: نعم
ونهو: سأدخل الإسلام..!

*********************************************

الصفقة الثانية: “فتوى مع التيار”

زوجته: هوّن عليك يا شيخ، لقد أمضيت وقتاً طويلاً داخل الغرفة دون حتى أن أراك.
الشيخ: وردني سؤال حساس، أبحث عن إجابته.
زوجته: لا ترهق نفسك كثيراً، واترك الأمر للصباح.
الشيخ: لا أستطيع، فقد يخرج الجنين مشوهاً.
زوجته: مشوّه ! لماذا؟!
الشيخ: اتركيني الآن.
زوجته: أنا زوجتك.
الشيخ: وأنا الشيخ “إبراهيم”
زوجته: بالله عليك. ما هذا السؤال؟!
الشيخ: إمرأة تطلب فتوى!
زوجته: حول ماذا؟
الشيخ: إنها حامل.
زوجته: ماذا تسأل؟
الشيخ: عن جواز شربها للخمر.
الزوجة: إنه حرام!
الشيخ: أعرف، لكنّها حامل.
زوجته: حرامٌ أيضاً!
الشيخ: لكنّها تتوحم.

هل كان ياسر عرفات ديكتاتوراً ؟!

11/04/2012

ينتهي الكفاح المسلح، يبدأ المحور التفاوضي الدبلوماسي، يتجاهل ياسر عرفات ضرورة توضيح التحول من حالة القتال إلى السلم الذي يسوق الشعب إليه، يلجأ إلى خطاب ذي نزعة إنسانية يدعو للتصالح مع إسرائيل، ويستمر في الإنفراد بالرؤية والقرار السياسي، فيعتقد البعض أن ذلك محفوفاً بالمخاطر بالنسبة لبقائه السياسي، لكنه ينجح في الاستمرار، ويستطيع بلا منازع أن يؤسس لـ 20 عاماً من الفشل. كيف ذلك؟

يظهر ياسر عرفات في حفل تخريج فوج جديد من الضباط في قطاع غزة، يلقي كلمة فيمجد ويحيي العناصر المكونة للأمة الفلسطينية: أبطال النضال ضد إسرائيل “مسجونين وشهداء”، والدينيين الإسلامي والمسيحي، فيحرص على ذكر اسم الشيخ أحمد ياسين، الشخصية التي تحظى بتقدير لدى الناس فيقول: “وأحيي الأسرى خلف القضبان، وفي مقدمتهم الشيخ أحمد ياسين ونقول لهم إن حريتهم باتت وشيكة”، ويتابع: “يا إخوتي يا أحبتي ويا أهلي، مزيداً مزيداً من هذا الصمود وأدعوكم للوحدة الوطنية، فهي شعارنا وهي قوتنا”. بعد أيام يخرج في حفل بمناسبة تحرير بيت لحم في 1995 فيقول: “أحيي كافة الشهداء وعلى رأسهم أبا جهاد أمير الشهداء”.

في مقر عرفات “منتدى الرئيس بغزة” يصفه أحد الضباط المقربين فيقول: “إنه كائن غريب يسهر حتى الرابعة فجراً فينام ليصحو عند الثامنة صباحاً”، في هذا الوقت القصير لا مجال للأحلام، لكن ياسر عرفات ومن دون كل الناس يحلم بحدود الدولة الفلسطينية التي ينوي بناءها “بالمسطرين” الذي كنّا نراه باستمرار في يده على شاشة تلفزيون فلسطين، فيطل على الجماهير في الصباح، لا يحلو له إلا أن يردد أسماء المدن والقرى الفلسطينية، دون أن ينسى القدس التي ستكون مدخل لشعار: “وليرفع شبل من أشبالنا أو زهرة من زهراتنا علم فلسطين فوق أسوار ومأذن القدس وكنائس القدس”، والرسالة واضحة: “لن نتنازل عن شبر ولن نتخلى عن القدس”، يتغير حجم الرسالة فتصبح مؤخراً: “لن نعترف بإسرائيل”.

يطيب للجماهير أن تُردد على مسامعهم الكلمات المشحونة بالعواطف، فيهيج الفلسطينيون على وقع تلك الانتصارات الرمزية، يبتسم ياسر عرفات لهم، فيبدأوا وبصوت واحد: “عالقدس رايحين شهداء بالملايين”. يعود عرفات ليستعين بالرموز التي يعرف أن مضمونها يؤثر على كل فلسطيني، فهي تخدم عملية تعبئة الجموع، وتفيد في بث الولاء له والسلطة الوطنية معاً.

يوم الجمعة، يؤدي عرفات الصلاة في المسجد، يأتي الخطيب على ذكر حمامة السلام، يثير حفيظة عرفات، فيقرر الظهور على شاشة التلفاز في أي لقاء تلفزيوني مع مراسل ينتظره خارج المسجد، فيكرر في كلامه “الله أكبر، الله أكبر، ومعاً وسوياً وجنباً إلى جنب حتى القدس حتى القدس”، يلهب أبو عمار حماس النسوة والأطفال في البيوت، ويواصل استثارة الرغبات الوطنية وسط الرعية، ويلعب على المفارقة والتفاوت الصارخ بين الخطب والأهداف.
لا يشرح أبو عمار شيئاً عن أفق وماهية مشروعه السلمي، ولكنه يقنع الجميع بأنه كل شيئ وأي شيئ. يتلقّى عرفات اتصالاً من كونداليزا رايس، ينتهي بالموافقة على مقترحاتها، يلبس الكوفيه ويأمر بإقامة فعاليّة وطنية فورية، يطل على الناس مستهلاً: “يا شعب الجبارين، أنتم هنا تمثلون هذا الجبروت، هذا الشعب الصامد في أرض الرباط دفاعاً عن المقدسات الإسلامية والمسيحية”. يحاول عرفات إكمال الخطاب فيبدأ التصفير والهتاف: “بالروح بالدم نفديك يا أبو عمار” يصحح لهم قائلاً: “يا فلسطين.. نفديك يا فلسطين”، تنتهي الفعالية، يعود أحد الشباب إلى بيته بحذاءٍ مقطوع وآخر يبحث عن هويته التي ضاعت في “الميمعة”. فداك يا أبو عمار.

1996 موعد الإنتخابات التشريعية والرئاسية، يفرض ياسر عرفات قوائم المرشحين على الجماهير في قطاع غزة، ويخرج بعدها في مهرجان ليقول: “معا وسوياً ﺣﺗﻰ إﻗﺎﻣﺔ الدولة الفلسطينية اﻟﻣﺳﺗﻘﻠﺔ وﻋﺎﺻﻣﺗﮭﺎ اﻟﻘدس اﻟﺷرﯾف، وإللي مش عاجبه يشرب من البحر الميت، ويا جبل ما يهزك ريح”، يعود ليتذكر مشروع الحل السلمي، فيختار شعارات للحملة الإنتخابية مثل: “نعم للعدل والديمقراطية” و “لا للبطالة”، على اعتبار أن الشعب الفلسطيني كله موظف سلطة وطنية، تنتهي الإنتخابات بفوز 100% إلا قليلاً لعرفات ومرشحيه.

تُنظم وزارة الثقافة يوماً لإحياء التراث الفلسطيني وتدعو ياسر عرفات، فيلبي الدعوة، يصل المكان، يفتتح المعرض فيقص الشريط، يُقبل يد الطفلة الصغيرة التي تلبس الثوب المطرز، يتجول فيه، يصل زاوية الموسيقى، يتناول عرفات طرف الكوفية ويبدأ الرقص والدبكة، يَلعن عرفات القومية النضالية ويكتفي بوطنية فلكلورية يدفع الناس بإتجاهها، فيدخل الجميع حلبة الرقص ليشارك أبو عمار، يُنهي جولته بمؤتمر صحفي قائلاً: “هذا الشعب سيدافع عن أرض العروبة من المحيط إلى الخليج، سيدافع عن المقدسات الإسلامية والمسيحية، وعن الأحرار والشرفاء”.

يغادر ياسر عرفات متوجهاً إلى جنوب إفريقيا 1994، يزور أحد المساجد، فيلقي كلمة قائلاً: “فمعركتنا الأساسية هي القدس، تعالوا لتصلوا في القدس، تعالوا لتساعدونا في الجهاد من أجل تحرير عاصمتنا التاريخية”، يثير هذا التملص الشفوي رد فعل إسرائيلي ساخط، ينكشف عجز عرفات وإنتقاله تدريجياً إلى عالم الأحلام، يبقى على هذا المنوال يعيش على طمأنة الجمهور والتستر على ضعفه، فيرمي كل شهر خطاباً حماسياً في الخارج، لا لشيئ سوى للتأكيد على وظيفته كممثل وحيد للشعب الفلسطيني.

يحين تاريخ 1-1 من كل عام، موعد إنطلاقة حركة فتح، تنتشر الجماهير في الشوارع، يطل ياسر عرفات على الناس من سقف سيارة يلفها الحراس في موكب طوله 2 كيلو، يهرول الناس بجانب سيارته آملين منه قبله “على الطاير”، يصل موقع المهرجان فيعلو الصفير والصراخ، يعتلي عرفات المنصة مهمته هذه المرة خطاب جماهيري جديد، وظيفته التنفيس والتعبير عن رغبات المستمعين المكبوتة، يبدأ ملوحاً بيده، مشيراً بعلامة النصر، تهتف الجماهير لأكثر من 5 دقائق، يتناول عرفات السماعة فيقول: “يا أهلي يا إخوتي، يا أحبتي، في مخيم جباليا، في بيت لاهيا، في تل الزعتر، ومن رفح جراد إلى جنين جراد”، فترد الجماهير: “بالروح بالدم نفديك يا أبو عمار”، ينتهي الخطاب يذهب عرفات إلى مكتبه، يستريح قليلاً، يدخل محمد رشيد حاملاً كماً هائلاً من الرسائل الموجهة لعرفات، مجملها طلب مساعدات مالية، يفتحها عرفات، يجد أنها رسائل غير مفيدة، أحدها لمستخدم مدني في قسم الأمن بالقوة الـ 17.. يطرد عرفات الجميع خارج الغرفة، يبتسم ويوقع كافة الرسائل والشيكات، ليتأكد من ولاء الناس له، وقبولهم بنظام السلطة.. يتذكر الناس عرفات سابقاً وحالياً فيقولون: “رحم الله أيام أبو عمار إذا ما قدمت له شيك وقعه على الفور”، وتعتقد الجماهير أن أبو عمار “الأب الحنون” يدفع من “جيبته” أو من صندوق العائلة، ولا تريد الناس إدراك أن ذلك جزء من مشروع أوسلو الكبير.

يحج زبانية ياسر عرفات حول مكتبه إذا أرادوا الإستمرار في شغل وظيفة مدفوعة الأجر في صفوف حركة فتح أو أجهزة السلطة، والإبقاء على فرص تتاح لمستقبلها السياسي. سامي أبو سمهدانة رومانسي ثوري في حركة فتح، يسابق الريح بساريته الـ بي. أم. دبليو السوداء أو المرسيدس البيضاء حسب فصول السنة، يجد مشقة في تحديد موقعة على رقعة الشطرنج السياسي، يصل عرفات إلى غزة عام 1994، يذهب أبو سمهدانة لمقابلته فيقول له ما يجول بخاطره، أي أن لسامي رأي أيضاً، تثور أعصاب عرفات فيودعه في الزنزانة، يفرجوا عنه بعد ساعتين، يقول له عرفات أنه أساء الفهم ليس أكثر، يفهم أبو سمهدانة الرسالة: “لا يوجد هنا سوى رئيس واحد هو ياسر عرفات”. تمر الشهور فيحصل أبو سمهدانة على منصب مسئول في صفوف القوة 17، يُسأل سامي عن سبب انظمامه لهذه القوة، فيذكر ثلاثة أسباب أحدها: “تلك طريقة لكي أكسب قوتي”.

يقرر عرفات الخروج من دوامة المكتب، وتوزيع الأموال، واتصالات رجال العشائر والإصلاح، يجهز نفسه للحديث على الهواء مباشرة، يضع كل النياشين على صدره، يبدو حوله عدد من المستشارين ينظر إليهم مرّة، وإلى شاشة التلفزيون مرة أخرى، تبدأ الإعلامية ماريا معلوف الحوار معه قائلة” “فخامة الرئيس اسمح لي في بداية اللقاء أن أخاطبك بلقبك التاريخي، التقليد الفلسطيني المحبب وهو “أبوعمار” فيبتسم أبو عمار ويقول: “وأنا يسعدني أن تقولي لي ذلك”، يستمر الحوار فتسأل معلوف: ماذا أخذ الرئيس عرفات من اتفاقية أوسلو وصولاً إلى خارطة الطريق، وهل تم التنسيق مع الإنتفاضة خلال محادثاتكم السرية في أوسلو؟ يرد عرفات: “إنتي بتتوقعي الشعب الفلسطيني بدون قيادة، انتي شو مالك علينا، ومين دافعك علينا.. إصحي إصحي، إنتي بتكلمي ياسر عرفات، قائد الشعب الفلسطيني، والنائب الدائم للدول الإسلامية ودول عدم الإنحياز، انتي بتكلمي اللي صمد في أكبر حرب عربية في بيروت، ويقرر عرفات بعدها انهاء المقابلة”.

تغتال إسرائيل عشرات الفلسطينيين في المنفى والداخل الفلسطيني، ويظل ياسر عرفات يتمنى الشهادة لأكثر من 40 عاماً فيقول: “اللهم يا رب الكون أطعمني أن أكون شهيدا من شهدائكم”. ولكنه يموت عن عمر يناهز 75 عاماً في ظروف لا زالت غامضة ولن يعرفها أحد طالما لم يستطع الفلسطينيون الكشف بالإسم عن قتلة رسام الكاريكاتير ناجي العلي، ورغم ذلك حَسَبَ الفلسطينيون وبأثر رجعي ياسر عرفات شهيداً، ولا زال الجميع يتذكر بعض كلماته: “لقد جئتم بغصن الزيتون في يدي وببندقية الثائر في يدي، فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي”. منذ ذلك الخطاب لم نرَ إلا أشباه “البنادق”، وأما شجر الزيتون، فلم يحالف عرفات الحظ كي يمسك حتى غصناً واحداً بكف يده، فقد أراحته إسرائيل بخلع الشجر كله منذ أن سمعت خطابه هذا.

“سكاكا” قصة قصيرة

06/04/2012

ثلاثة شُبان أصلهم من “سكاكا” كرهوا الحَر في تلك المدينة فقرروا السفر إلى بريطانيا، وصلوا.. في أول أيامهم، لا زالت ألسنتهم ثقيلة، لا يتقنون الإنجليزية تماماً، في اليوم الثالث كان الجو دافئاً، نزلوا إلى شارع هيثرو في قلب مدينة “ليدز” وقد تسربلوا بالجينز، يسأل أحدهم عجوزاً إنجليزياً يلبس قميص كاروهات وفي أذنه اليسرى حلق، يحمل غليوناً أسود، وتملأ رقبته الأوشام.

اقتربوا منه وأخذوا يتعازمون، أنت! لا أنت! اتّفقوا مَنْ سيفهم الكلام ومَنْ سيحفظ المكان.
“مسعود” يسأل: أين البار هنا ؟
العجوز: واااو، وير آر يو فروم ؟
أحدهم: هيهيهيهي فروم سعودي آريبيا!
العجوز: أوكي، ذس إز ذا بيست بار “تايجر تايجر”.
جميعهم: ثانك يو. ثانك يو.

يدفع “مسعود” أجرة ثلاث تذاكر، يشتري صديقه علبة بيرة، يفتحها في وسط البار ويقول: ما أفهم وش يقولون مع الموسيقى؟ لكنّه يبدأ الرقص، يحاول ثالثهم تفقد الكراسي الفضّية، ودوران أجهزة الإضاءة في السقف.

بعد ساعة ونصف من محاولة ضبط رقصهم الخليجي على إيقاع البوب، يثمل أحدهم فيقف في أحد الزوايا “مسطولاً”، بينما يتقدم “مسعود” خطوة فيهمهم لصديقه عن فتاة إنجليزية “قاصرة” تلبس الأزرق السماوي. نظراتها خاطفة لملامح وجوههم الشرقية.
لا زال الشاب “المسطول” في الزاوية يهز رأسه بحنيه مع عزف الجيتار، يراقبه صديقه ضاحكاً، أما “مسعود” فقد استقرّت يده اليمنى على كتف الفتاة قبل أن تتشردق فتبق الكحول على ملابسه، تضحك هي.. فيعتذر هو..!

في لحظة أصبح الثلاثة ترافقهم الفتاة في سيارة “بي أم دبليو” خارج “البار”، أحدهم يغلق سقف السيارة، وعلى إيقاع الطبلة الشرقية تهتزُ ستائر “الشبابيك” الخلفية، يُجهز “مسعود” حضنه لتلك القاصرة، إنها نائمة في السيارة، يحاول صديقه إيقاظها بعد وصولهم البيت.

نباحُ كلابٍ وزمجرةُ ضباعٍ في المنطقة، رغم أنها ليست الليلة الأولى التي يَجُر فيها ثلاثةُ فحولٍ من “سكاكا” فتاةً قاصرة تسكنُ مدينة “ليدز”.

أقبل الثلاثةُ عليها غير مدبرين، لم يستأذنوها في ليلتها، استعاروها رغماً عنها، حجز كلُ واحدٍ مكاناً فيها، احمرّت عيونهم واتسعت حدقاتها، كانت حركةُ جسمها مقيّدة ونشاطهم مستمر، فضّوا بكارتها ثم ألقوا بها في أحد الشوارع بعد ساعتين.
أفاقت من سكرتها وتوجّهت للشرطة، “شمّرت” لهم عن الأذى، قبلوا شكواها وبدأوا التحري والبحث. تمّ إلقاءُ القبض على الثلاثة في ذاتِ “البار” بعد أسبوع، أُحيلوا للتحقيق.

المحققة فتاةٌ تبلغ من العمر 28 عاماً تعترف للشبان بقلةِ حيائها، وتنوّه إلى معرفتها بعادات العرب وتقاليدهم، لاسيما أناقتهم في إحمرارِ الوجه سريعاً.
تبدأ بعرضِ الأدلة عليهم، وتشيرُ إلى احتمالِ تورطهم في استغلالِ فتاةٍ قاصرة، تبدأ السؤال عن أدقِ التفاصيل، يُجيب كلُ واحدٍ منهم على انفراد، ينتهي التحقيق، يذهبُ الجميع إلى “عنبر” السجن بانتظارِ ضابط التفتيش.

جاء الضابط “جيمس” يطرح سؤالاً واحداً فقط: هل تمّ التعامل معكم بشكل جيد خلال فترة التحقيق؟

يتململ الثلاثة وينظروا إلى بعضهم..! يُكمل “جيمس”: هااا، هل كان ينقصكم شيئ ؟

يتشجع “مسعود” قائلاً: لقد توضأنا لكنّهم لم يُحضروا لنا سجّادة الصلاة..!

ملاحظة: هذه التفاصيل ضمن أول رواية قصيرة لي بشخصيات وأماكن أكثر تحكي حياة ورحلة ثلاث طلاب متدينون قدموا من الشرق إلى الغرب، عاشوا تفاصيل الحياة الشرقية في “سكاكا” وهي مدينة سعودية، ثم انتقلوا إلى مدينة “ليدز” البريطانية. الرواية لم تكتمل بعد.